طبيب وأسترالي وإرهابي
الأستراليون قلقون من انضمام مواطنهم الطبيب طارق كاملة لداعش وظهوره في إعلان ترويجي للتنظيم المتطرف. الأميركيون يتجادولون هذه الأيام حول مصير مفجر بوسطن جوهر تسارناييف، هل سيكون الإعدام أم السجن مدى الحياة. وقبلهما كان محمد أموازي المتخصص بحز الرقاب والذي نشأ ودرس في بريطانيا. ثلاثة شبان عاشوا في بلاد متقدمة ودرسوا في جامعات متطورة واختلطوا بثقافات متسامحة ومع ذلك قاموا بأعمال شريرة تقشعر منها الأبدان.
سيعود السؤال الذي يتكرر للظهور من جديد في كل حادثة مشابهة وهو: لماذا قاموا بذلك؟ الإجابة الصحيحة على هذا السؤال المهم لن تعثر عليها في الغالب في وسائل الإعلام الغربية التي تدخل في لعبة التبرير الخطيرة. مثال على ذلك ما نشرته مؤخرا مجلة "ذا ويك" البريطانية غلافا يظهر محمد اموازي, يقف وحيدا وسط المارة الأوربيين المشغولين عنه. الرسالة غير المباشرة التي يريد الغلاف إيصالها واضحة ومكررة وتأتي على صيغ متعددة منها ما هو مباشر وصريح مثل القول إن الغرب سبب الإرهاب, وأخرى غير مباشرة منها أن العزلة وفشل خطة دمج الجاليات المسلمة هو من دفعهم للعنف .
فكرة الغلاف نابعة من ثقافة النقد الذاتي الشائعة في الثقافة الغريبة التي تلقي اللوم على نفسها قبل نقد الآخرين ويمكن ملاحظتها في قضايا عديدة. ليس فقط الإرهاب مصدره الغرب, ولكن السمنة العالمية أيضا بسبب انتشار مطاعم الوجبات السريعة الغربية, وانحطاط الذوق الموسيقي بسبب أغاني الهب هوب الغربية, وكذلك تراخي الروابط الاجتماعية، بسبب انشغال الناس بالتقنية التي هي منتج غربي, والتلوث بسبب الدخان الصادر من مداخن المصانع الغريبة. هذا مفيد لهم لأن نقد الذات ومراجعتها مسألة نافعة في الغالب, ولكنها من الجهة الأخرى مضرة لأنها تقدم للطرف الآخر المشاجب والأعذار التي لا تنتهي .
بالطبع فكرة الغلاف غير صائبة ومن السهولة كشف تناقضها. إذا كان الإحساس بالعزلة والغربة وراء تطرف "الجهادي جون" وتحوله إلى قاطع للرؤوس, فلماذا إذن لم يتحول ملايين المهاجرين ممن يشعرون بالتهميش إلى قتلة وإرهابيين. فشل الاندماج والإحساس بالتهميش, سواء كان شعورا مصيبا أم لا, يؤدي إلى اليأس والانحراف والجريمة ولكن ليس إلى قطع الرؤوس والنحر الجماعي على الشواطئ. أما التبرير بأن الإرهاب صناعة غربية, فلماذا إذن عانى المسلمون من توحش وجنون الإرهابيين قديما حتى قبل أن يوجد غرب وغربيون كما نعرفهم اليوم.
العلة في عمقها فكرية ولن تستطيع أن تغيرها الدراسة حتى في الجامعات الغربية, كما حدث مع جوهر تسارنايف الذي درس في جامعة التكنولوجيا في مساتشوسيتس, ولا المستوى المادي الذي جعل العديد من الإرهابيين يتركون ثرواتهم ورائهم ويلتحقون بـ"داعش", وليست بحثا عن النجومية والمغامرة كما فسرها البعض, لأن المجانين وحدهم من يريد أن يكون مشهورا ومغامرا قبل أن تسحقهم طائرات الدرونز بقذائفها الصامتة وليس هوسا بالحرية والديمقراطية وهي نكتة لا تستحق حتى التوقف عندها. والحقيقة أن كل المواعظ الناعمة والأحاديث الطيبة لن تحد من تدفق الإرهابيين كل يوم لأنها لا تلمس أفكارهم العميقة التي تحركهم، وهي التي تدفعهم للالتحاق بالجماعات الإرهابية وتلطيخ صورة الإسلام كدين عظيم في مكان.
هذه الأفكار العميقة تتعلق بالرؤية الدينية والإنسانية التي ستجعلهم متسامحين ويجدون رابطا إنسانيا عميقا مشتركا مع البشر الآخرين تمنعهم من التعدي عليهم بالسباب والشتائم, فكيف إذن بالقتل والحرق. هذه الأفكار العميقة تشكل رؤية الفرد منهم إلى نفسه والعالم الذي يعيش فيه. هل هي رؤية إنسانية حضارية للعالم الذي يتقدم ويزدهر ودور الإنسان الأساسي في بنائه وتطويره أم هي رؤية عدائية كارهة تنجسه وتريد تحطيمه واستعادة الماضي المتخيل. المؤمن فعلا بقيم العالم الذي نعيش فيه سيسخر مواهبه العلمية لعلاج الأمراض والأوبئة, أما الكاره لهذا العالم سيسخر كل مهاراته العلمية لتحطيمه عبر معالجة الإرهابيين لارتكاب المزيد من المجازر، كما فعل الطبيب الأسترالي أو عبر صنع بودرة السم وإرسالها عبر البريد كهدايا موت. يستغرب البعض أن يترك شابا مهنته كطبيب ويتحول إلى انتحاري والغريب هو استغرابهم نفسه.
الرؤية العدائية التي تملأ كيانه وتكون هويته أقوى وأعمق من كل المعلومات والمهارات التي تعلمها طالب وأتقنها كطبيب وسيتخلى عنها بغمضة عين ويتحول إلى جسد بوظيفة قنبلة متجولة.
من الواضح أن الإرهابيين الثلاثة جاهزون، ليس لأن الغربيين لم يحتضنوهم ويطبطبوا عليه, ولكن لأن آليات التفكير المزروعة داخلهم ترفض هذا العالم الحديث وتفضل عليه عالم داعش وبن لادن والزرقاوي الذي يتصادم مع العالم المتقدم الذي نعيش فيه. ولأنه عاجز عن فرض هذا العالم, فإنه يعتقد بأنه بجز الرقاب وإحراق البشر سيقوم باستعادته, تماما كما ظن قبلهم آلاف الإرهابيين من محترفين وهواة.