.
.
.
.

في "تواضع" الأهداف.. والقراءات

علي نون

نشر في: آخر تحديث:

هكذا إذن: عملية «حزب الله» الموعودة في المنطقة المحاذية لجرود البقاع الشمالي ضدّ المعارضة السورية، صارت «متواضعة» الأهداف وتنحصر في «تثبيت» مواقع وإبعاد المخاطر عن القرى والبلدات اللبنانية، ولم تعد تستهدف، كما قيل سابقاً، وكما أوحى الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله بنفسه، «حسم« الأمر في القلمون السوري، في سياق هجوم كبير يبدأ من درعا جنوباً ويصل إلى حلب شمالاً!

لكن، يُمكن الزعم، بأنّ تلك الأخبار «المتواضعة» لا تزال تدور في فَلَك الكارثة ولا تخرج عنها. وفي سياق مكابرة غير مفهومة ولا تتنصّل منها.. وقبل ذلك، هي بالمعنى، العسكري الميداني المباشر، تعكس أخذاً جزئياً بالحقائق القائمة. أو بالأحرى، بالعنوان الأسلم لتلك الحقائق والذي يفيد بأنّ الحرب سِجَال ولكن الأفضلية لأصحاب الأرض، وبأنّ جغرافية المنطقة تجعل منها جحيماً مفتوحاً لكل «داخل» عليها من خارج.

ولا يشك عاقل، بأنّ «حزب الله» اختبر ويختبر بعض لظى ذلك الجحيم. وأنّه وصل إلى قناعة باستحالة الحسم العسكري ضدّ المعارضة السورية، لا في القلمون ولا في غيره.. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما توقّف لحظة واحدة، ولما تردّد في تلقين «الصهاينة وعملائهم» درساً عن شدَّة بأس الممانعة، وبؤس محاولة التصدِّي لها أو الاقتراب من تهديد عمود خيمتها بشار الأسد!

وذلك على كل حال، ما عكسته إعلامياً، الآلة الحربية لـ»حزب الله» وحليفه الأسدي، بعد «تحرير» بلدة القصير! ثمّ «حسم» معركة يبرود. مع أنّ الأولى سقطت بنصف صفقة والثانية سقطت بصفقة تامّة شاملة تتضمّن التفاصيل الحرفية لمعنى الصفقة! في الأولى انسحب مَن كان يريد مواصلة القتال في القصير نتيجة اتصالات شاركت فيها جهات إقليمية مؤثّرة.. وفي الثانية، أمكن تجنُّب المعركة قبل حصولها أصلاً. وخرج مقاتلو المعارضة من يبرود بكامل أسلحتهم إلى المناطق الجبلية المحاذية للحدود مع لبنان في مقابل أمور وشؤون كبيرة ومحدَّدة.. ومعروفة!

.. المشكلة الورطة، هي أنّ «حزب الله» بنى على ذلك الجزء المركَّب خلاصات عامّة، تتّصل بالوضع السوري كله. وبقيَ خطابه يدّعي ما هو أكبر من قدراته وإمكانياته.. خدع نفسه قبل أن يخدع أعداءه وأخصامه. وافترض عن خطأ جسيم أنّه يستطيع تجيير القرار الأميركي بعدم السماح بحسم الحرب ضدّ الأسد، لصالح نصّه التعبوي وخطابه المؤدلج.. لم ينتبه إلى الفخّ وإلى الاستخدامات الدولية الكامنة في إبقاء سوريا ملعباً لمباراة دموية لا تنتهي. وإلى صيرورتها ساحة لأفظع عملية استنزاف من نوعها، ينخرط فيها هو وغيره، من أمثاله، أدعياء الخطوط المفتوحة مباشرة مع ربّ هذه الدنيا! والناطقين الحصريين باسمه! وحاملي مفاتيح جنّته في جحيم هذه الأرض! بل هو راح بعيداً في دوخة قراءات معتوهة صوّرته إعلامياً بأنّه صَارَ «قوّة إقليمية عظمى» تتعدَّى إمكاناتها وقدراتها حدود لبنان وسوريا معاً! ولم ينتبه، أو لم يشأ أن ينتبه، إلى أنّ الكلام عن «قوّته» هذه، يكاد أن يكون مشتركاً بين إسرائيل وطبَّالي ممانعته على حدٍّ سواء!

.. في «تواضعه» الراهن إزاء أهداف المعركة الموعودة، اقتراب من فهم بعض تلك الحقائق، لكن في الوقت نفسه، استمرار لنمط المكابرة لديه، خصوصاً، وأنّها (المعركة) تأتي لتترجم «وعداً» سبق وأن أُطلِقَ في فصل الشتاء! وبذلك، يمكن الافتراض، أنّ الكارثة مستمرّة، وأنّ فصلاً آخر من فصولها سيطلّ بين لحظة وأخرى.. في وقت تستدعي كل القراءات شيئاً آخر مختلف تماماً هو الإعلان الصريح عن الانسحاب من الورطة السورية، واليوم قبل الغد!

لو يستعين بنظّارات طبّية إيرانية الصنع لقراءة ما يجري بين إيران والغرب تماماً.. ولرؤية حقيقة مرحلة «عاصفة الحزم»، ولمتابعة خرائط المواجهات من الشمال إلى الجنوب السوريين.. لو يفعل ذلك بدلاً من أن يبقى أسيراً لأوهام مدمِّرة وخطاب انتحاري وثقاف فتنوية تامّة!

*نقلاً عن "المستقبل"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.