.
.
.
.

التعتيم الجديد على الأخبار

داود الشريان

نشر في: آخر تحديث:

في الماضي كانت الأخبار شحيحة. اليوم أصبحت أكثر من الأحداث. دخلت القنوات الإخبارية في سباق محموم على إنتاج الأخبار، وإن شئت «فبركتها» بدلاً من نقلها، وباتت تعتمد على شبكات التواصل الاجتماعي كمصدر مهم، من دون «فلترة» هذا التدفق الإخباري الذي لا يميز بين الإشاعة والمعلومة. لم يعد المتلقي يسأل عن الموضوعية والحياد المزعوم، بل عن الصدق من الكذب. بات مطالباً بالقيام بعملية معقدة ومرهقة، التدقيق بالمصدر، وفصل الرأي عن الخبر. أصبح الاستماع إلى الأخبار أشبه بالإنصات إلى حكواتي في مقهى شعبي.

مع بداية الفضائيات الإخبارية الخاصة عام 1994 استبشرنا خيراً. توقعنا أن التعتيم الذي تمارسه أجهزة الإعلام الرسمية في منطقتنا سيصبح من الماضي. كانت البداية مشجعة. وتوالت القنوات، ودخلت على الخط فضائيات أجنبية، وتفاءلنا بوجودها، اعتقاداً أنها ستنقل القيم المهنية في الإعلام الغربي إلى ساحة الإعلام العربي. لكن توقعاتنا خابت في معظمها. المفارقة اليوم أن التعتيم بات يمارس على نحو آخر. لم يعد يتجاهل الأخبار فحسب، بل ينقلها بصورة غير حقيقية، وبهذه النتيجة يكون التعتيم التقليدي، بتجاهل الخبر، وعدم ذكره مطلقاً، أرحم من التعتيم الجديد الذي جعل الحصول على خبر دقيق وصادق مهمة شبه مستحيلة، في ظل النسخ المتعددة له في القنوات الإخبارية. والأخطر هو الاعتماد المتزايد من الإعلام الإخباري على شبكات التواصل الاجتماعي.

لم تعد القنوات الفضائية مصدراً للتحقق مما ينشر في « تويتر» و»فايسبوك « و «واتساب «، بل هي اليوم جزء من هذا التشويش الذي يحاصرنا جميعاً. كثرة الوسائل الإعلامية ظاهرة صحية، وتعدد الوسائل يعني تعدد مصادر تدفق الأخبار والمعلومات، لكن الوضع الذي نعيشه جاء بنتائج عكسية. فأصبحت للخبر صيغ بعدد القنوات، وعليك أن تستفتي قلبك.

الصورة القاتمة التي وصلت إليها حال الأخبار في منطقتنا تتضح بمجرد أن يطلع الإنسان على وسائل الإعلام الغربية الناطقة باللغة الإنكليزية. هذه المتابعة ستكشف لك أن الفضائيات الإخبارية في منطقتنا أصبحت سوط وصاية، لا وسيلة توصيل.

لا شك في أن الأزمات السياسية التي تعيشها المنطقة العربية كشفت أن ما يسمى الإعلام الخاص ليس أفضل حالاً من الإعلام الحكومي، تغيرت الوسائل وبقيت الأهداف، وربما على نحو أسوأ.

الأكيد أن حماية الإعلام من ظروف الأزمات ومتطلبات الدعاية السياسية، دعم للسياسية، وتكريس لقوة الإعلام وتأثيره.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.