تشويه الديموقراطية الأميركية

علي بن طلال الجهني
علي بن طلال الجهني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

في الشهر الثامن من عام 1933 ولد لأسرة يهودية فقيرة، هاجرت إلى أميركا من الجمهورية الأوكرانية، ابن أسمته شلندون آدلسون. وبعد سنوات كوّن آدلسون ثروة ضخمة من طريق ما نجح في امتلاكه من صالات وفنادق القمار في أميركا وسنغافورة وماكاو الصينية المجاورة لمدينة هونغ كونغ.

وتقدر ثروة هذا الرجل بنحو 37 بليون دولار، وحتى عام 2002، وهو العام الذي تولى في أول شهر منه الرئيس بوش الابن رئاسة أميركا، كان ينتمي إلى الحزب الديموقراطي. أما بعد أن سيطر الليكوديون، من خلال تشيني ووولفوفتز ورامسفيلد، وبقية العصابة على أميركا، غير آدلسون انتماءه من الحزب الديموقراطي الذي كان ينتمي إليه أكثرية اليهود الأميركيين، إلى الحزب الجمهوري.

وأنفق هذا الثري، الليكودي الكريه، الملايين لدعم ترشيح الجمهوري اسماً، والليكودي الصهيوني المتطرف حقيقة، زعيم غالبية الحزب الجمهوري في مجلس النواب الأميركي سابقاً نيوتَ غنغريتش، لسبب واحد كما قال آدلسون، ينحصر في ادعاء غنغريتش بأنه لا وجود لشعب اسمه الشعب الفلسطيني لا قبل مئات السنين ولا في وقتنا الحاضر.

وقدر المراقبون أن آدلسون وبمفرده، أنفق بطريقة مباشرة وبطرق غير مباشرة مئات الملايين التي يصعب حصرها، بسبب وسائل دفعها كالتبرع بطريقة تمكن من إخفاء اسم الشخص أو الجهة التي دفعتها.

ويدعو آدلسون سنوياً إلى مهرجان سياسي، يتسابق على حضوره كل مرشح جمهوري لموقع سياسي منتخب من عضوية مجلس النواب أو الشيوخ، أو حكام الولايات، أو الرئاسة. ومن طريق هذا المهرجان يجري آدلسون امتحاناً يقيس من خلاله مدى ولاء كل مرشح لإسرائيل. بعبارة أخرى صالة «تسميع» ووفقاً لدرجة النجاح أو الرسوب، يتم تحديد مبالغ التبرعات أو منعها.

والمؤسف أن آدلسون ليس الوحيد، فهناك أثرياء كثيرون ومنظمات تأثير كثيرة أشهرها «آيباك» للتأثير في السياسة الأميركية الداخلية والخارجية، وتوجيهها نحو ما يحقق مصالح الفرد الثري أو منظمة التأثير.

وماذا عن تأثير مراكز الفكر الكبرى، أو ما يسمى «صهاريج الفكر»؟

إن أكثر هذه المراكز تنشئها أو تمولها جهات خاصة لخدمة مصالح خاصة، وفي ما يخص المستقلة منها التي لا هدف لها غير مصالح أميركا الوطنية الكبرى، فتأثيرها إما معدوم، أو محدود جداً في أفضل الأحوال.

والسؤال: ألا يوجد في بلدان ديموقراطية غربية أخرى كجارة الولايات المتحدة، كندا، أو حلفائها في غرب أوروبا كبريطانيا وألمانيا وفرنسا، أثرياء ومنظمات تأثير للتأثير في الاتجاه العام لسياسة بلدانهم الداخلية والخارجية؟

بلى يوجد. غير أن البناء الهيكلي للديموقراطية في كل الدول المذكورة أعلاه، بناء يقلل من تأثير منظمات التأثير والمال الخاص في المسيرة السياسية، كما سيأتي بيانه.

فكندا وبريطانيا وألمانيا دول ديموقراطية «برلمانية» تختلف هيكلياً عن حكومة الجمهورية الأميركية الرئاسية البحتة. وفرنسا بين بين، لها نظام رئاسي، غير أن البرلمان قادر على إسقاط حكومة الرئيس.

فالناس في كندا وأوروبا الديموقراطية ذات الأنظمة البرلمانية لا بد أن ينتخبوا حزباً كاملاً، للحصول على حكومة يترأسها أو يشارك فيها زعيم الحزب إذا فضلوه. ولكن لا بد أن الذي يختاره هو الحزب. ولا سبيل لانتخاب رئيس حكومة في الدول البرلمانية إلا من طريق التصويت لأكثرية نواب الحزب.

وشراء أو حتى توجيه سياسة حزب بأكمله أمرٌ صعب إن لم يكن شبه متعذر.

أما في الولايات المتحدة الأميركية، فإن الفوارق الآيديولوجية بين الحزبين الرئيسين طفيفة، إن وجدت.

ولا يجهل مراقب بأن المرشح ينتخب لذاته لا لحزبه. ففي عام 1951 كان الحزبان الديموقراطي والجمهوري يتنافسان لإغراء الجنرال ديفيد إيزنهاور للترشح عن حزبهما لخوض الانتخابات الرئاسية، واختار الجنرال إيزنهاور الترشّح باسم الحزب الجمهوري بعد تردد.

والآباء المؤسسون للولايات الأميركية المتحدة، صاغوا دستوراً لا يشجع على بناء الأحزاب خوفاً من بروز أحزاب مؤدلجة متناحرة ربما يؤدي تناحرها إلى تفكيك الوحدة الوطنية. ولذلك جاءت صياغة الدستور الأميركي لنظام رئاسي بدل البرلماني خوفاً من الفرقة والتناحر.

وبإيجاز، فإن دور المال الخاص للتأثير في السياسة المتحدة أو التي يؤذي الساسة الأفراد اتخاذها في دولة رئاسية كأميركا، أكثر بكثير من دوره في دول برلمانية كبريطانيا وكندا وألمانيا، لأسباب هيكلية. ملخص معناه أنه من الصعب التأثير في حزب كامل. ومن السهل نسبياً، من جهة أخرى، التأثير إن لم يكن التوجيه الكامل لفرد سياسي واحد ينتخب أو يهزم لذاته، ووفقاً لقدراته في التنظيم وإقناع الناخبين، والبراعة في جمع الأموال التي أصبح ضرورياً وجودها لتمويل الحملات الانتخابية في أميركا، حتى أصبح تأثير المال الخاص وتأثير المنظمات التي تخدم مصالح من يديرونها ويمولونها من أهم مشوهات الديموقراطية الأميركية.

*نقلاً عن "الحياة"


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط