.
.
.
.

هنا الرياض... حزمٌ ومفاتيح جديدة

هادي الفقيه

نشر في: آخر تحديث:

يقفز سؤال بديهي أمام أي مراقب يعرف الملف السعودي- اليمني ولو سطحياً: هل إقفال الملف اليمني هذه المرة صعب على السعوديين؟ ويعزز الدهشة والاستغراب في السؤال، أن الدبلوماسية السعودية تتعاطى مع هذا الملف لأربعة عقود، وفي كل مرة تنتهي الجولة لصالحهم.

إذاً، ما الذي اختلف؟ وما الذي تريد الرياض قوله وفعله؟ وهل يتعلق الأمر بالملف اليمني فقط أم بالملفات العربية الأخرى أيضاً؟
قراءة المواقف السعودية عقب تولي العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم في ملفات مختلفة خصوصاً الملف اليمني، يرسم أبعاد الصورة للسياسة السعودية الجديدة خارجياً.
أول دليل على التوجه الجديد، سطع في المشهد السياسي كان "طرد" أحمد ابن الرئيس اليمني المخلوع على عبدالله صالح الذي أتى حاملاً حقيبة المقايضة مواصلاً إرث أبيه، فكان الرد بعاصفة الحزم، التي أحرقت الأحلام الطائشة، وجمعت المواقف المترددة.
ولمعرفة أعمق للصورة، يأتي جمع المعلومات من داخل البيت السعودي ليؤكد ذلك، إذ سنحت لي فرصة الجلوس مع أعضاء في الوفد السعودي الرفيع الذي تواجد في واشنطن قبل أسابيع من أجل الاجتماعات السعودية - الأميركية ثم قمة كمب ديفيد والاستماع للأفكار السعودية الجديدة.
الرياض، باختصار، تمتلك المفاتيح القديمة لحل النزاعات العربية إلا أن كل تلك المفاتيح أصبحت في خزانة قديمة يصعب فتحها، مفاتيح كانت لأقفال لا تشبع، تحمل قضايا الأمم التي ينتمون إليها لمن يدفع أكثر من دون توقف. وكلما نقص المال عاد القفل ليضيق تدريجياً حتى يعود المال من صنبور "البدوي الذي رزقه الرب نفطاً لا يستحقه" كما يظن بعضهم.
البدوي الذي في الرياض ليس جديداً، هو الحليم والكريم ذاته، لكن السخاء أصبح كما تتطلب المرحلة يسقي به أرضه، متأكداً أنه سيجني ثماراً مضمونة الولاء والنتيجة.
ملّت السعودية من الجبناء بائعي المواقف، وأتى موقف المخلوع صالح ليعزز قناعة الرياض التي أخرجته من فم الأسد في حين كان قاب قوسين أو أدنى من أن يلحق برفاقه الذين جوّعوا شعوبهم فذاقوا كأس الذل.
الحلم، الكياسة والحكمة التي انتهجتها السعودية في سياستها الخارجية فترة طويلة من الزمان لم تعد مكتملة داخل الدوائر الأولى للحكم في الرياض من دون حزم وعزم. إذ يبدو أن صناع القرار بلغتهم رسالة واضحة أن سياستهم تلك أصبحت تفسر بأنها "ضعف في صورة وقار".
تعزيز صورة "الوقور الضعيف"، تصاعدت عقب الصمت السعودي عن الارتماء اليمني في الحضن الإيراني وحشد إيران ترسانة من الصواريخ ليل نهار، بحراً وجواً على الحدود الجنوبية السعودية، وبلغ الأمر في شهر سقوط صنعاء، تسليح عصابات الحوثيين بما يقارب خمسة آلاف طن من الأسلحة بجسر جوي عبر رحلتين يومياً وآخر بحري لا يتوقف.
القناعة السعودية اليوم تتجه إلى تسليح أكثر وأقوى لمؤسستها العسكرية، وصناعة حلفاء جدد إقليمياً ودولياً من جهة، وفي الأخرى تعزيز الاستثمار في العقل السعودي عقب أن وسعت خريطة التنمية التعليمية.
لم تتوقف السعودية عن زيادة جامعتها رغم انخفاض أسعار النفط، كما تواصل زرع ابنائها في جامعات دول العالم الأول، إذ بلغوا٣٠٠ ألف فتاة وشاب تخرج ثلثهم، في حين استقبلت هذا العام فقط، أكثر من ١٦ ألف خريج من أميركا، وأعلنت منظمة تدريب الأطباء الأميركية، أن السعودية ثامن أمة تمتلك أطباء يتدربون في المستشفيات الأميركية.
وعلى رغم كل ذلك، لن تنسى السعودية الأصدقاء الحقيقيين في الاتجاهات الأربعة عربياً، بل سيزداد التقدير وتكبر المكانة، فلا يعني تنحية بائعي المواقف سياسيين كانوا أو صحافيين، أن تغمض عين الوفاء والتقدير عن الرجال الصادقين في أحلك الظروف، وستبقى "دلة" البدوي ساخنة تسكب القهوة بسخاء لمن يقدرها إن حضرت أو غابت.


*هادي الفقيه، كاتب سعودي مقيم في واشنطن


**نقلاً عن "النهار" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.