.
.
.
.

إيران.. ونظرية السيكولوجيا المضادة

بديع يونس

نشر في: آخر تحديث:

بين الدهاء الشيطاني والغباء الفردي.. تجتمع أحداث وتطورات المنطقة حتى لا نبتعد كثيرا في تدقيق ما يحدث.. ولو أنه وصل إلى أقاصي الساحل المغاربي.

نظرية السيكولوجيا المضادة لا تنجح إلا إذا كانت ضحيتها من النوع الانفعالي.. وهو نوعٌ أضحى الوصف الأدق لشعوب المنطقة.

وفي تعريف سريع وعلمي لنظرية السيكولوجيا المضادة أو (ReversePsychology) نعدّد أربع نقاط تلخص هذه النظرية:
- دفع الخصم لفعل ما تريده عبر اقتراح عكس ما تريد منه أمامه.
- تأتي هذه النظرية بالنتائج المرجوة متى كان الخصم من الطبيعة الانفعالية أكثر منه عقلانيا.
- أكثر الأساليب شيوعا في النظرية المضادة هو حين تطلب من الفرد عدم القيام بـ "X" وهو بمعنى آخر اقتراح "X" عليه خلال رد فعله المضاد.
- كما هناك أسلوب آخر, يتعلّق بمبادرة الفريق الثاني بالإشارة إلى شيء يسعى إليه فيما لا يزال مترددا بشأنه، هنا يأتي دور الفريق الأول الذي يرى مصلحة له في هذا الأمر، ويريد التأكد من إتمام الفريق الثاني لما يصبو إليه. عندها يتحداه قائلا "لا يمكنك فعل ذلك" أو يشكك بقدرات الفريق الثاني وعندها يثير الفريق الآخر لإثبات العكس، وغالبا ما تُستخدم فيها الإثارة غير المباشرة والظاهرة للعيان والمنطق.

هذا التعريف ليس من باب المزايدة الثقافية أو العلمية، وإنما يكفي قراءته لفهم سياسة إيران الخارجية في دول المنطقة، إن بشكل مباشرة أو عبر أذرعها التي امتدت من غزة إلى لبنان فسوريا والعراق وصولا إلى اليمن.

ليس بالغريب إذن أن يعوّل الدهاء الإيراني على سيكولوجيا الأفراد فالجماعة, في السياسة الخارجية.

كلما ازداد التدخل الإيراني والسياسات الممنهجة على أسس مذهبية, ازداد التطرف وازدادت وحشيته.. فاستفادت إيران، ليكون عنوان هذه المرحلة هو: "التطرف والتطرف المضاد" ضمن نظرية: "السيكولوجيا المضادة".

نظرية يبرع أمين عام حزب الله حسن نصرالله في استخدامها، ونتذكر خطابا له قبل دخوله إلى سوريا "رسميا"، أي قبل أكثر من عام ونصف العام ـحين استدعى يومها "الإرهابيون" إلى لبنان، معتمداً على نظرية السيكولوجيا المضادة. وقد يتساءل البعض كيف يكون ذلك، وهو قال "سأذهب لقتالكم في سوريا"، وأي مصلحة له في قتالهم في لبنان نسبة لهذه النظرية المشار إليها آنفا.

الجواب بسيط. حزب الله لم يكن ليدخل "جهارا" إلى سوريا لولا التفجيرات التي طاولته في الضاحية الجنوبية لبيروت. فوصول "الإرهاب" إلى عقر داره سهّل عليه المشاركة في الحرب السورية إلى جانب الأسد، تلبية لأمر إيراني واضح وصريح.

ومنذ ذلك الحين علت نبرته في الخطابات وأطلق العنان لصوته التعبوي والشعاراتي من دون أي عقدة أو استحاء أمام مناصريه ومعاديه.

الحال واحدة في العراق, وفي سوريا وفي اليمن... حيث يختلف الزمان والمكان وأبعاد الأهداف الآنية إلا أن المستقبل القريب واضح وصريح ضمن مشروع إيران باسترجاع الماضي وإنشاء "الإمبراطورية الإيرانية".

أما صعود داعش وامتداده الجغرافي وتدويله الفكري فجعل منه أولوية بالنسبة إلى المجتمع الدولي.

وكلما عظم شأنه وازداد بطشا, ازداد الدور الإيراني قوة في وجه تطرف اتكأ أساسا في انتشاره على التطرف المضاد والسياسات القمعية على أسس مذهبية هددت وجودهم أذرع "الأخطبوط الإيراني" في السنوات الأخيرة في هذه المنطقة.

ومع صعود التطرف المضاد, "بطل السبب وبطل العجب" وعادت إيران إلى الملعب الدولي أقوى من أي وقت مضى في التاريخ الحديث.

ولتكون البيئة ملائمة للملعب الإرهابي.. عُمل خلال سنوات على ضرب "الدولة" بالمفهوم الحقوقي والدستوري في هذه البلاد. وراحت إيران تدعم الدويلة على حساب الدولة. تقدّم الدعم المالي والعسكري لميليشيات يكفي وجودها في المعادلة لضرب مفهوم الدولة. وبين حزب الله وحماس وفتح الإسلام والجهاد الإسلامي والحوثيين وقوات المالكي سابقا وميليشيات الحشد الشعبي اليوم, يتواصل الدعم لنظام الأسد الذي يعيش اليوم في كنف "دويلة". من هنا يبقى الرابط بين الميليشيات تلك هو الهدف في بناء دويلات تنسف مفهوم الدولة وتقدّم الطاعة لليد الإيرانية التي تطعمها.

واستتبع ذلك تكريس لغياب الدولة القادرة والجامعة في عدد من بقع المنطقة الجغرافية, لتتحوّل اليوم إلى مغناطيس للمناهج المتطرفة في وجه مشاريع "دويلات إيران" التي عُمل على بنائها على أسس طائفية ومذهبية.

ويكفي النظر إلى واقع الأحداث في الشرق الأوسط كأمثلة تثبت أولوية نظرية السيكولوجيا المضادة في السياسة الإيرانية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.