القائد الإرهابي

علي بن طلال الجهني
علي بن طلال الجهني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

إكمالاً وإيضاحاً لبعض ما ورد في مقالة الأسبوع الماضي التي نشرت في هذا الحيز في 2 الشهر الجاري، أقتبس بعض ما ورد في موضوع سبق نشره في هذه الصحيفة في 28 تشرين الأول (أكتوبر) 2010.
ولقد سبق الحديث، مرات ومرات كثيرة، عن الفرد المتطرف، الذي سرعان ما يتحول إلى إرهابي، إذا عثر على من يقنعه بأن سبب بؤسه ليس نفسه، التي اكتمل فسادها وتعذر عليه إصلاحها، وإنما «آخر»، أي أن القائد الإرهابي هو الذي «يختلق» بطريقة من الطرق «الآخر».
فمن أين يأتي القائد الإرهابي؟
بإيجاز شديد من رجل الكلمة، بصرف النظر عن محتوى الكلمة، فرجل الكلمة يسهل عليه إلباس كلماته لباساً دينياً متشدداً، أو لباساً وطنياً متحمساً، أو حتى لباساً شيوعياً قاسياً.
ومن الواضح أنه ليس كل رجل كلمة متطرفاً، دع عنك قائداً إرهابياً يضلل من توافرت فيهم الشروط الموضوعية ليكونوا جنود الإرهاب، الذين لا يترددون عن الموت أو الانتحار ما دام الموت أو ما يسميه الإرهابيون «الاستشهاد» هو لأخذ الثأر من «الآخر»، الذي قيل له إنه سبب شقائه.
يقول إريك هوفر (*1) في كتابه «المؤمن الصادق» (*2) الذي ترجمه رجل الكلمة المبدع شعراً ونثراً وفكراً الدكتور غازي القصيبي رحمه الله، في الصفحات 276 و277 من الترجمة العربية:
«من أين يجيء المتطرفون (والمقصود قادة المتطرفين لا عامتهم)؟ يجيئون، غالباً، من صفوف رجال الكلمة غير المبدعين. إن أهم تفرقة بين رجال الكلمة هي بين أولئك الذين يحصلون على الرضى والشعور بالاعتزاز نتيجة عملهم وبين أولئك الذين لا يشعرون بشيء من هذا. إن رجل الكلمة المبدع، رغم انتقاداته المريرة هو، في الحقيقة، إنسان مرتبط بالحاضر، يتطلع إلى الإصلاح لا إلى الهدم».
وهنا ينبغي تأكيد الفرق بين رجل الكلمة «غير المبدع»، ورجل الكلمة «المبدع» الواثق من إبداعه ولذلك الواثق بنفسه.
يقول هوفر في صفحات الترجمة العربية (277 إلى 279):
«إن الرجل الذي يودّ أن يكتب كتاباً عظيماً، أو يرسم لوحة رائعة، أو يصمم مخططاً معمارياً استثنائياً، أو يصبح عالماً شهيراً، ويعلم أنه لا يستطيع أن يقوم بشيء من هذا، ولو منح الأبدية، هذا الرجل لا يجد طعماً للسلام في نظام اجتماعي مستقر، سواء كان قديماً أو جديداً. يرى هذا الرجل أن حياته قد فسدت بلا أمل بعلاجها، ويرى العالم المحيط به مختلاً ومعيباً، ولا يشعر بالراحة إلا في جو من الفوضى. وعندما يلتزم هذا الرجل بالانضباط أو يفرضه على الآخرين، فإنه يفعل ذلك لأنه يرى أن هذا الانضباط يمكّنه من المضي في عملية تغيير لا تنتهي. لا يستطيع المتطرّف العيش مع نفسه، ولهذا فهو يخاف الاستقرار والأوضاع الهادئة المنتظمة. في إمكاننا أن نعد قادة الثورة الفرنسية الدموية ولينين وموسوليني وهتلر أمثلة صارخة لمتطرفين خرجوا من صفوف رجال الكلمة غير المبدعين. يلاحظ بيتر فيريك أن معظم القياديين في الحركة النازية كانت لديهم طموحات فنية وأدبية لم يتمكنوا من تحقيقها. جرّب هتلر الرسم والهندسة المعمارية، وجرّب غوبلز المسرح والرواية والشعر، وجرّب روزنبرغ الهندسة المعمارية والفلسفة، وجرّب فون شيراك الشعر، وجرب فنك الموسيقى، وجرب ستريغر الرسم. (كان الجميع فاشلين لا بمعايير النجاح الموضوعية فحسب، بل وفق معاييرهم هم). كانت طموحاتهم الفنية والأدبية، في الأساس، أعمق بكثير من طموحاتهم السياسية، وكانت جزءاً لا يتجزأ من شخصياتهم، (وعلى العكس) لا يشعر رجل الكلمة المبدع بالراحة في جو الحركة الجماهيرية النشطة، بل يحسّ أن حيويتها وعواطفها المتأججة تمتص طاقاته المبدعة: ما دام الإبداع يسري في دمائه، فهو لا يجد أية متعة في قيادة الملايين وتحقيق الانتصارات، والنتيجة الحتمية، عندما تبدأ الحركة هديرها، هي أن يتخلى عن موقعه طوعاً أو يزاح بالقوة».

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط