كيف فعلها القصبي؟
يعيد التقرير المنشور في موقع محطة "السي أن أن" النجاح الكبير لمسلسل "سيلفي" إلى السخرية التي حولها بطل العمل الفنان ناصر القصبي إلى سلاح في مواجهة تطرف تنظيم داعش. هذه رؤية مصيبة وتؤكد على براعة العمل الذي استطاع بالفعل أن يُضحك الجميع على تنظيم دموي، ليس من السهولة السخرية من أفعاله البشعة وليس فقط التنديد بها، كما يفعل غالبيتنا.
إلى جانب السخرية هناك موضع قوة ساهم أيضاً في نجاح الحلقة، وهو أنه جعل داعش وأيديولوجية التطرف والمتطرفين تقف بالضبط في مواجهة الجميع، المجتمع كله ضد المتطرفين، وليس فقط صراع أيديولوجيات بين طرفين دينيين أحدهما معتدل والآخر متشدد، في الوقت الذي يضيع فيه المجتمع في الوسط.
في "بيضة الشيطان" مثّل القصبي الشخصية التي تعبر عن طبيعة المجتمع السعودي، شخصية طبيعية تمارس تدينها بالفطرة ولم تشوهها الأفكار المريضة كتلك التي مسخت ابنه تماماً. هذه التركيبة الصحيحة للعمل فتحت المجال للمشاعر الإنسانية الحقيقية لملايين المشاهدين لكي تتدفق وتعبّر عن نفسها بكل قوة، خصوصاً في المشهد الذي دخل فيه القصبي على العائلة بعد أن طلب منه الإجهاز عليها، والمشهد الأخير لنحر الابن للأب.
هذه النقطة في غاية الأهمية، لأنه لو تم إدخال طرف ديني أكثر اعتدالاً في الحلقة، كما فعلت في حلقات سابقة في طاش أو غيره من الأعمال الدرامية والكوميدية، ستنزع على الفور صفة الاعتدال والطبيعية عن المجتمع، وستدخله في لعبة صراع الأطراف المختلفة والمختلقة التي ستضعف حضور المجتمع من خلال بحثه عن واعظ معتدل يعبر ويفكر عنه، وكأنه هو لا يفكر ولا يشعر بألم الآخرين، ولا حتى يعبر عن هويته إلا من خلال شخص الواعظ. في مثل هذه الأعمال المترددة يكون دافع الكاتب الموازنة والخشية من إثارة الغضب، ولكن الحقيقة أن العمل لا يصبح عملاً فنياً، بل وعظ فني، وتخنق أي شعور طبيعي للشخصيات الحقيقية، لأنه هي نفسها مختنقة ومبتورة بسبب اختزال مجتمع في شخص واحد أو عقلية واحدة.
حلقة "بيضة الشيطان" تخلصت من هذه العقدة المزعجة، وكسرت الباب لمشاعر المجتمع الحقيقية لكي تعبر عن مشاعرها الإنسانية الحقيقية بشكل تلقائي بدون وسيط أو وصي، وجعلت شخصية القصبي شخصية متكاملة وحقيقية، ليس بينها وبين المشاهدين الذين يشبهونه حاجز، وهذا سر التفاعل الكبير معها.
هذه الحبكة الذكية للكاتب المتألق خلف الحربي، لا يمكن أن تنجح بدون فنان قدير بحجم ناصر القصبي، كان أداؤه استثنائياً. لوحة بديعة من الأفضل النظر لها طويلاً، لأن تفسيرها سيقلل بلا شك من جمالها.