في العنصرية
بعد أكثر من خمسين سنة على صدور قانون الحقوق المدنية (1964) في الولايات المتحدة، نتيجة النضال السلمي الذي قاده مارتن لوثر كينغ ومالكولم إكس، وغيرهما من ذوي الأصول الأفريقية وبعض البيض، يقف أول رئيس أسود يدخل البيت الأبيض ليصارح الأميركيين، بعد قتل مصلين سود في كنيسة في تشارلستون (ولاية ساوث كارولينا)، ليقول: «دوافع المعتدي تذكرنا بأن العنصرية ما زالت متفشية، وعلينا مكافحتها معاً... عندما تشرع العنصرية بتسميم عقول الشباب، فإنها تخون مبادئنا وتمزق ديموقراطيتنا... لا يكفي أن نعبر عن تضامننا (مع الضحايا)، ولا بد لنا من التحرك». والتحرك، على ما اقترح، يكون في الحد من انتشار السلاح في أيدي الأميركيين. لكن أي محاولة منه لإصدار قانون في هذا المعنى ستصطدم بلوبي شركات السلاح، وهو أقوى قوة ضغط بعد لوبي النفط.
واقع الأمر أن غالبية الأميركيين البيض، وبعضهم في مراكز حساسة ويعارض تقنين بيع السلاح، يعتقدون بأن وصول أوباما إلى البيت الأبيض كان «خطأً تاريخياً»، ويعيدون أسباب وصوله إلى عنصرية مضادة، فيقولون إن ذوي الأصول الأفريقية (13 في المئة) ومن هم من أصول إسبانية (الهيسبانيك) (15 في المئة) شاركوا بكثافة في انتخابه في حين أن البيض تراخوا وتسببوا في هذا «الخطأ».
أبعد من ذلك، يعتقد كثير من الأميركيين أن أوباما، بسبب أصوله الأفريقية، يتعاطف مع الطبقة الفقيرة ويطرح مشاريع الرعاية الصحية والاجتماعية، خدمة لأبناء هذه الطبقة، وهي في معظمها من الفقراء السود، وسيكون تطبيقها على حساب البيض الذين يدفعون ضرائب أكثر.
أما في السياسة الخارجية فيرى المتطرفون اليمينيون أمثال جون ماكين أن أوباما لم يقم بواجبه في الدفاع عن المثل الأميركية، وأنه فرط بهذه القيم عندما تراجع عن ضرب سورية، وأتاح لإيران تطبيق برنامجها النووي، مضحياً بالعلاقات التاريخية مع إسرائيل، وكان عليه أن يعطيها الضوء الأخضر ويشترك معها في ضرب المفاعلات، علماً أنه أغدق عليها مساعدات أكثر من أي رئيس سابق. وللعنصرية موطن في الدولة العبرية التي شكلت على أساس «حق شعب الله المختار»، وها هي زوجة وزير الداخلية سيلفان شالوم تدعو أوباما إلى «التفكير بعقله بدلاً من التفكير بقلبه»، في إشارة إلى أن السود لا عقل لهم.
لا صديق ولا مقدس في قاموس العنصريين سوى أفكارهم وبنادقهم. أي شيء وأي إنسان آخر مصيره القتل أو التهجير. لا حرمة لديهم لا للكنائس ولا للمساجد ولا للأوابد. بهم يبدأ التاريخ. ليس قبلهم حضارة ولا دين. كل قديم، معبداً كان أو تحفة أو تمثالاً أو رسماً أو فكرة، وجب القضاء عليه، فقتل المصلين في الكنيسة الأميركية، فضلاً عن أنه إبادة جسدية للضحايا، هو قتل لفكرة المساواة بين البشر، إذ أن هذه الكنيسة احتضنت في الستينات وما قبلها كل الحركات السلمية المطالبة بالمساواة بين السود والبيض في الولايات المتحدة.
من أرض «داعش» وشعبها في العراق وسورية وباقي العالم العربي إلى «كلو كلوكس كلان» في الولايات المتحدة، تنتشر العنصرية وتزدهر. هي نفسها في البلدان الديموقراطية وفي ظل أنظمة الاستبداد. رافقت البشرية منذ نشوئها إلى اليوم. هي ضد الاجتماع والعمران اللذين يحتمان الاختلاف في الرأي والدين والإتنية ولون البشرة والتفكير. التفكير آخر هم العنصرية والعنصريين. لديهم قوالب جامدة لا يمكن اختراقها. في أوروبا، على سبيل المثال، ليس هتلر، ولا النازية، من اخترع العنصرية. «الفوهرر» نتاج تاريخ طويل من عنصرية القارة القديمة. عنصرية أبادت شعوباً، واستعمرت أخرى.
*نقلاً عن صحيفة "الحياة"