.
.
.
.

بين الحلال والحرام

عبدالعزيز السماري

نشر في: آخر تحديث:

لاشك أن ظاهرة التطرف الديني حديث الساعة، بعد أن ارتفعت وتيرة الحراك الدموي وتفجير الأجساد في المجتمعات الآمنة، وأصبحت حديث الإعلام، وقبل ذلك حديث المجالس، والكل أصبح بالفعل في حالة رقابة دائمة لأبنائه لئلا يختفون عن ناظريه، ثم يلتحقون بداعش وملحقاتها، ثم تحترق أجسادهم الغضة في عاصفة هوجاء من البارود المتفجر، ومن أجل فهم تلك المعاناة التي يعيشها المجتمع، لابد من التنقيب في تلك الظاهرة، والبحث عن الجذور التي يستغلها المحرضون لزرع الفتنة في عقل الشاب الصغير، ثم توجيهه ضد مجتمعه الآمن.

تبدأ مراحل التغيير عندما يكتشف الشاب أن والده وإخوته يعيشون في معاصي لا حصر لها، وذلك حسب الفتاوى المنشورة لبعض العلماء، فهم حليقو اللحى المحرم حلقها حسب الفتوى، وهم يرتدون الثياب المتجاوزة للكعبين المحرمة أيضاً حسب الفتاوى، ويتعاطى بعض إخوانه الدخان المحرم شربه، ويستمعون للموسيقى والأغاني المحرمة، ويشاهدون التلفاز والمسلسلات التلفزيونية والأفلام المحرم مشاهدتها، ويتابعون مباريات كرة القدم المحلية والعالمية المحرم مشاهدتها إن ظهرت عوراتهم فوق الركبة، ويقتنون جوال الكاميرا، والذي يحمل في ذاكرته كماً هائلاً من الصور الفوتوغرافيه المحرم التقاطها حسب الفتوى.

ثم يكتشف بعد ذلك أن والده يلعب «البلوت» المحرم حسب فتوى بعض العلماء، وفي الصيف تسافر عائلته إلى بلاد الشرك والكفار للسياحة، بينما حكم السفر لغرض السياحة حرام حسب الفتوى، ويزداد موقفه تطرفاً ضد عائلته عندما يعلم أن أحد إخوته يعمل في بنك، وقد تعلم من شيخه أن فتوى بعض العلماء تحرم العمل في البنوك، ويزداد تطرفاً في موقفه ضد عائلته عندما يشاهد أمه تكشف وجهها في السفر، وتضع العباءة على كتفها في السوق.

يكتشف الشاب بعد سلسلة من جلسات الذكر أن عائلته تعيش في بيئة من «الحرام»، وأنهم عصاة تجب هجرتهم إلى بلاد المسلمين، وعندما يصل إلى تلك القناعه تنهال عليه الدعوات للتوجه إلى الجهاد في البلاد التي تطبق الفتاوى، وتفرض أحكام فتاوي التحريم على سكانها بالقوة والإجبار، ومن هنا تبدأ رحلة اللاعودة، بعد أن قرر الشاب مفارقة عائلته التي تعيش في المعاصي إلى بلاد الإسلام حسب الفتاوى المنشورة، ثم التفكير في الوصول إلى قمة الكمال في حياته، وهي تفجير جسده في سبيل الله كما يعتقد.

ولو ألقينا نظرة أكثر انفراجاً على المجتمع لاكتشفنا أن نسبة عالية من السكان يمارسون تلك المعاصي حسب هذه الفتاوى، فالمجتمع تجاوز فتاوى التحريم إلى الانخراط في ملذات الحياة، و كان ذلك خيار الناس في اقتناء أجهزة استقبال القنوات الفضائية، والاستماع للموسيقى، وحلق اللحى، والسفر للخارج للسياحة، ومتابعة الأفلام والمسلسلات، وقبل ذلك الميل نحو اللهو في ساعات من اليوم، والاستمتاع بتلك المحرمات حسب تفسير الفتاوى، والمفارقة في هذا الأمر أنه لم يحدث أن تراجع المفتون يوما ما عن فتوى من تلك الفتاوى التي تحرم مختلف أوجه حياتنا اليومية المعاصرة، ولا زالت تٌدرًس كأوامر ونواه تدخل ضمن تطبيق الشريعة الإسلامية، وتٌستخدم من قبل المتطرفين كأدوات لتكفير الدولة والمجتمع.

ربما يشعر البعض بالاستياء من تقييم الوضع الحالي عبر تلك الصورة الشفافة أعلاه، ولكنني أؤمن أنه يجب تناول أبعاد ذلك الصراع من هذه الزاوية بوضوح، فقد وصلنا قريباً من نقطة الانفجار، ما لم نبدأ مراحل الانتقال سريعاً إلى مجتمع التسامح والتعددية، وأن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن ظاهرة التحوط الشهيرة يجب أن تكون في حدود، وأن اليسر من سمات الإسلام، وأن ذهنية التحريم ظاهرة محلية بامتياز، وتختلف معها المرجعيات الدينية في أقطار المسلمين الأخرى.

وإذا لم نتعلم أن نعيد النظر في بعض الأحكام التي تحرم الكثير من الأشياء في حياتنا اليومية المعاصرة، ستظل بعض هذه الفتاوى بمثابة البارود القابل للانفجار في الحاضر ومستقبل الأيام، أو علينا أن نتخذ القرار الآخر، وهو الأصعب، وهو إرجاع المجتمع قسراً للخلف ليتوافق مع بعض تلك الفتاوى، ثم يعيش حسب بعض تعاليمها المتشددة في الحلال حسب الفتاوى، وبالتالي ينتهي الصراع، والله على ما أقول شهيد.

*نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.