.
.
.
.

اقتراح لمن يهمه الأمر!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

يقال دوما إن الأزمات العظمى تخرج من داخل المصريين أفضل ما فيهم، وكانت واحدة من هذه عملية اغتيال الرئيس السادات وسط جنوده في ذكرى انتصاره. ولم تنته لحظة ذبح المنصة إلا وبدأ التمرد الكبير في أسيوط، كانت الجماعات الإسلامية والجهادية، ومن ورائهم الإخوان المسلمين يتلمظون لسرقة اللحظة، وظهرت الدولة في ذلك الوقت كما لو كانت تواجه لحظة امتحان وجودية. وكما هي العادة في تلك اللحظات تصدرت القوات المسلحة وقوى الأمن المشهد ونجحت في اجتياز اللحظة، ومنح الاستمرارية للقيادة، والصمود للدولة. وحدث ذلك بتأييد شعبى ونخبوى كبير، جعل مصر تجتاز الامتحان لأن جهودا عدة جرى بذلها لمراجعة ما جرى، لأن حدوثه لم يأت عفوا وإنما عبر عملية تراكم بدأت منذ بداية السبعينيات من القرن الماضى. وكان واحدا من هذه الجهود تلك التي قامت بها جماعة العلوم الاجتماعية في مصر بقيادة الدكتور أحمد خليفة والمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، والتى وجدت في المعتقلين والمحتجزين في السجون كنزا كبيرا من المعرفة عن تلك الجماعات التي رغم ذيوع صيتها إلا أنها لم تكن معروفة للرأى العام، ولا كان معروفا الكثير لدى الأجهزة الأمنية عن الخلفية الاجتماعية والثقافية والجغرافية لجماعة الإرهاب.

تكون فريق للبحث بقيادة- فيما أذكر- الدكتور سعدالدين إبراهيم، والذى أجرى لقاءات مكثفة وطويلة مع أعضاء الجماعات الإرهابية المحتجزين، وربما لأول مرة بات معروفا لدى الدولة والأجهزة الأمنية صورة واضحة لحالة الإرهاب في مصر تجيب عن الأسئلة: من أين أتوا، ولماذا صاروا إرهابيين، وما هي حالاتهم الاجتماعية، وهل يمكن رسم صورة للإرهابى؟ أفرزت الدراسة عن ثروة لا تقدر من المعلومات، وبعد أن كانت الأجهزة الأمنية لا تعرف عن «الأعداء» أكثر من أنهم إما «شيوعيين» أو «إخواناً» فإنها عرفت أشكالا جديدة من التنوع الأيديولوجى داخل مدرسة «الإسلام السياسى»، مع أنماط مستقرة من حيث المنشأ، والسن، والتعليم، والشريحة الاجتماعية، وأساليب التجنيد والتدريب. كان الإرهابى عادة يقع في الشريحة العمرية بين ١٥ و٢٥ عاما، ومن المهاجرين حديثا إلى المدينة الكبرى للتعليم أو العمل (أسيوط أو القاهرة أو الإسكندرية)، ويتعرض لعملية عزلة كبيرة عن بقية التيار العام للمجتمع، حيث تجرى له عملية «غسيل المخ» اللازمة. لم تنته البحوث عند هذه المرحلة، فبينما وقع الخلاف بين د. أحمد خليفة ود. سعدالدين إبراهيم، فإن بداية أخرى للموضوع جاءت من التقرير الاستراتيجى العربى الذي أصدره مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام في منتصف الثمانينيات، وكانت فيه متابعة جيدة للحركات «الجهادية» مع الإخوان بالطبع، مما حدا بالمركز لإصدار «تقرير الحالة الدينية» الذي حرره الأستاذ نبيل عبدالفتاح في نهاية التسعينيات، وأعقبه بعد ذلك دليل الحركات الإسلامية الذي حرره الأستاذ ضياء رشوان مع مطلع الألفية الجديدة.

كل هذه الجهود أضافت الكثير من المعرفة، وفى وقت من الأوقات خلال التسعينيات كان لافتا للنظر أن ٩٧٪ من الممارسين للعنف كانوا من محافظات الصعيد، والغالبية العظمى منهم كانوا بنسبة ٧٧٪ من المنيا، والبقية من أسيوط وبنى سويف والفيوم، وهى المحافظات الأربع التي كانت تشغل قاع ترتيب المحافظات في تقرير التنمية البشرية الذي بدأ يصدره معهد التخطيط القومى في منتصف التسعينيات من القرن الماضى. كانت النتيجة أن جيلا آخر من الباحثين ساهم بالمعرفة عن ٣٨ تنظيما إرهابيا ظهرت في العقد الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الحالى. الآن نحن أمام لحظة زمنية مختلفة، ونقف في مواجهة جيل جديد من الإرهابيين لهم منابعهم وأصولهم الفكرية والاجتماعية، ومناطق انتشارهم، وأساليب عملهم، وهناك جهد متميز قام به «مؤشر القاهرة» تحرير الأستاذ أحمد كامل البحيرى في المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية للتعامل العلمى مع الفترة الراهنة.

الاقتراح المحدد الذي نطرحه على من يهمه الأمر في مصر هو إتاحة الفرصة لجماعة العلوم الاجتماعية لدراسة الظاهرة الإرهابية الحالية استرشاداً بتجربة الثمانينيات الأولى، لأن الزمن أصبح غير الزمن، والعصر لم يعد كما كان، وهناك تركيز جديد للإرهاب (سيناء جرى فيها ٥١٪ من العمليات الإرهابية في مصر حتى مطلع العام الحالى)، وهناك أبعاد دولية وإقليمية أكثر وضوحا مما كان عليه الحال من قبل. في الختام فإنه لا يوجد لدىّ شك في أن مصر سوف تدحر الإرهاب، ولكن ذلك سوف يكون بالعلم وقدرة القرار وشجاعة المصريين.

* نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.