.
.
.
.

التطهير الثقافي

داود الشريان

نشر في: آخر تحديث:

التدمير الهمجي للآثار الذي يمارسه تنظيم «داعش» في العراق وسورية، أو «التطهير الثقافي»، كما وصفتْه منظمة «يونسكو» يُقابَل من مراكز إسلامية، ودعاة، بالتنديد والرفض، ويصفه بعضهم بأنه عمل شاذ، وليست له أسانيد شرعية، ويؤكد أن «داعش» يعتمد على آراء غير مرجّحة ومضلِّلة. وفي مقابل هذا التبرؤ من أفعال «داعش» نجد أن للشيخ القرضاوي رأياً مختلفاً، وهو يقول: «حرَّم الإسلام التماثيل وكل الصور المجسّمة، ما دامت لكائن حي مثل الإنسان أو الحيوان فهي محرَّمة، وتزداد حرمتها إذا كانت لمخلوق معظّم، مثل ملك أو نبي كالمسيح أو العذراء، أو إله من الآلهة الوثنية مثل البقر عند الهندوس، فتزداد الحرمة في مثل ذلك وتتأكد حتى تصبح أحياناً كفراً أو قريباً من الكفر، من استحلّها فهو كافر».

الجماعات الإرهابية لم تخترع هدم الآثار، والتطهير الثقافي الذي تمارسه في سورية والعراق له ما يسنده من فتاوى وآراء، ما زالت تُردَّد حتى اليوم. والذين يرفضون حماية الآثار، ويروّجون لتدميرها، لا ينطلقون من حماية التوحيد، لافتقار هذا الربط للمنطق والدليل. والتاريخ الإسلامي، بعد فتح مكة، يشير بوضوح إلى أن المسلمين لم يتعرّضوا للآثار في الشام والعراق، فضلاً عن مصر وأفغانستان والهند. لذلك، فإن الجرائم الهمجية التي يمارسها «داعش» في حق الثقافة، نتيجة حتمية لخطاب إسلامي شكّل وجدان الشباب في منطقتنا على مدى عقود، وجرى ترويجه في شكل منظّم منذ أواخر سبعينات القرن العشرين، أو مرحلة ما يُسمّى «الصحوة» التي قضت على التسامح، وغيَّبت العقول.

التخلُّص من الأصنام كان محصوراً بأصنام الكعبة، من أجل وضع خط فاصل بين مرحلة الشِّرْك والتوحيد في ذلك اليوم، وكان تطهير الكعبة وإخراج كل الأوثان من جوفها قضية رمزية في تلك اللحظة التاريخية، بدليل أن بعض «الأوثان» ظل موجوداً في بعض القرى القريبة من مكة، رغم إسلام أهلها، واستمر وجودها بعض الوقت، ولاحقاً أصبحت المجسّمات أحد شواهد الحضارة الإسلامية.

أمس، نشرت الصحف الخبر الآتي: «أدْرَجَت لجنة التراث العالمي في «يونسكو» الرسوم الصخرية في منطقة حائل بالمملكة العربية السعودية في قائمة التراث العالمي؛ لتكون الموقع الرابع في المملكة المسجّل في القائمة بعد مدائن صالح والدّرعية وجدّة التاريخية. وعَدَّ الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، الحدث دليلاً على العمق الحضاري للمملكة». هذا الخبر كان يستحيل نشره قبل 3 عقود، فضلاً عن تحقيق مضمونه.

* نقلا عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.