انطباعات من باريس: رموز ثقافية كثيفة في سجال استراتيجي
تمارس باريس هذه الأيام واحداً من أكثر احترافاتها تميّزاً وهو شحن الكلام السياسي والاقتصادي بالبعد الثقافي. فهي تمتلئ بأسماء التراجيديا والميتولوجيا اليونانية، لا في مسارحها وأنديتها الثقافية وإنما في يوميات برامجها وصحفها السياسية. الأربعاء حضرتُ على إحدى المحطات برنامج حوار سياسي اقتصادي عن الأزمة اليونانية الراهنة تحت عنوان: "من أنتيغون إلى تسيبراس". أنتيغون الأميرة في الأدب الإغريقي السحيق وتسيبراس رئيس الوزراء اليوناني.
من السهولة بمكان أن تعتبر النخب الفرنسية أن لها علاقة خاصة، شغفاً ما، اهتماما غير عاديٍّ ما، ببلد معيّن وغالبا ما يحضر البعد الثقافي في أساس هذا الشغف أو في أساس هذا الادعاء بالشغف. كأن ذلك جزءٌ من نظرة الفرنسيين إلى أنفسهم كـَ "أمّة كبيرة". وهذا ليس بعيدا عن الواقع اياً تكن مبالغاته. يحصل ذلك من وقت لآخر حيال مصر، بسبب نابوليون وحملته عليها. مع لبنان الذي يستطيعون الادعاء، وعن صواب، أنه كيان هم الذين أسسوه بحصيلة قرون من العلاقة الخاصة مع الموارنة والأقليات الكاثوليكية في الشرق. مع الولايات المتحدة الأميركية والتاريخ المشترك على أكثر من مستوى. مقاطعة كيبك الكندية. اليوم الموسم الفرنسي هو موسم يوناني. أمثلة عديدة من أحجام مختلفة وغيرها ممكن أن نعثر عليها حسب المرحلة، في العلاقة مع روسيا وبولونيا. حتى في افريقيا، حيث تاريخ وموقع فرنسا الاستعماريان "الصافيان"، لا يُعدم الفرنسيون فرصة استخراج البعد الثقافي ذي الطبيعة "المساواتية" والانسانية مع موجات الزنوجة الليوبولدْ سينغورية والإيمي سيزارية والفرانزْ فانونية فيتدخل اليسار ليسد ثقافيا ثغرات اليمين الكولونيالي ويحضر سارتر الباتريسْ لومومبي بديلاً عن فضيحة جنرالات الجزائر التي أوقفها الجنرال الأكبر والأشرف شارل ديغول.
الآن موسم اليونان. البحث عن روابط في اللغة والثقافة والهجرة السياسية و"عدم الاستعمار". ومع أن عدد السوّاح الألمان الموجودين حاليا في اليونان هو 250 ألف سائح، وسجلوا رقم مليونين ونصف المليون العام المنصرم... مع ذلك من الصعب أن نجد أي ادعاء شغف ثقافي سياسي خاص ألماني باليونان اليوم التي تحتل ألمانيا موقع دائنها الأول، وبالنسبة للرأي العام اليوناني " العدو" الأول، وتحتل فرنسا موقع الدائن الثاني الحائر بين عقله الذي يتطلّب الصرامة النقدية حيال اليونان ومزاجه الثقافي الذي يصعب عليه تأديب اليونان.
فرنسا اليوم تمتلئ بأسماء التراجيديا اليونانية: لا في مسارحها وأنديتها الثقافية بل في يوميات برامجها السياسية. الأربعاء حضرتُ على إحدى المحطات برنامج حوار سياسي اقتصادي عن الأزمة اليونانية الراهنة تحت عنوان : من أنتيغون إلى تسيبراس. (تخيّل مثلاً في بيروت عنوان حلقة لمارسيل غانم في "كلام الناس": "من أمرىء القيس إلى ميشال عون"). أنتيغون هي طبعا المرأة التي حملت مسرحيةٌ للشاعر اليوناني سوفوكل اسْمَها في القرن الخامس قبل الميلاد وهي بنت الشخصية اليونانية (الفرويدية) أوديب وأليكسس تسيبراس هو رئيس الوزراء اليوناني الشخصية الأهم في أوروبا بعد الاستفتاء اليوناني الأحد المنصرم. تسيبراس في مداخلته الثانية في الجلسة نفسها التي عقدها البرلمان الأوروبي هذا الأسبوع ختم باستشهاد عن سوفوكل يقول إن العدالة أعلى من القانون. قال ذلك وهو يرد على اتهامه بوجود "أجندة خفية" لديه مؤكدا على أنه لا يمكن لأي واقع أن يسير من دون قانون ولكن في التراجيديا اليونانية العدالة أعلى من القانون.
حضر سوفوكل ولم يحضر كفايةً هوميروس بعد ربما لأن طروادة الأزمة الحالية لم تحضر حتى الآن لنرى من سيركب أو كيف يصنع حصانَها إذا تمكن المسؤولون الفرنسيون من تلافي خروج يوناني كارثي من منطقة اليورو، بينما حتى في فرنسا بات العديد من السياسيّين يرون الكارثة في بقاء اليونان ضمن منظومة العملة الموحّدة، وآخر شخصية ذات وزن في هذا المجال ظهرت على الشاشات هي الرئيس الأسبق فاليري جيسكار ديستان الذي دعا، في صيغة تعبيرية خاصة، إلى "إعطاء اليونان إجازة من اليورو"! وديستان هو الرئيس المسَلَّم أنه لعب الدور الأساسي في تهيئة وتسريع قرار إدخال اليونان في السوق الأوروبية المشتركة عام 1981 وقال آنذاك في معرض هذا التسريع كلمة شهيرة ذكّر بها معلِّق في "لوموند" أمس الأول: لا نستطيع ترك أفلاطون ينتظر! لكنه في الأشهر الأخيرة اعتبر أن إدخال اليونان في اليورو كان خطأً في الأساس.
الأكثر يساريةً شبّهوا وضع اليونان حاليا حيال الاتحاد الأوروبي بوضع تلك الجزيرة اليونانية ميلوس التي رفضت الخضوع لإملاءات وتهديدات تحالف الدويلات اليونانية بقيادة أثينا في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد. فسحقتها أثينا القرون السحيقة.
تحضر أثينا في الترميز الجاري لكن لا تحضر اسبارطة، إلا ربما عند اليونانيين الذين يجدون اسبارطة الاقتصادية في العالم المعاصر هي ألمانيا. لكني لستُ هنا في مجال رصد الترميز في اليونان وإنما رصد الرموز اليونانية في السجال الفرنسي.
أوروبا، كما يحرص أن يذكّر الباريسيون تحمل إسم أميرة فينيقية تزوجت من إله السماء زوس. اللبنانيون، والمسيحيون منهم بشكلٍ خاص، لهم إذن حصة بعيدة في هذا الترميز حتى لو أن صور الحالية، صارت بعيدة ثقافيا عن أوروبا بُعْدَ طهران عنها... بانتظار أن تتغيّر المعادلات قريبا بعد الاتفاق النووي الإيراني الأميركي الأوروبي.
حجب النقاش اليوناني كثيرا النقاش النووي الإيراني هذا الأسبوع في باريس حتى لو أن وزير الخارجية الفرنسي رولان فابيوس يبدو معنيا وحاضرا في المفاوضات الإيرانية لا اليونانية التي يتولاها الرئيس فرانسوا هولاند ورئيس وزرائه. لكن في مجال الرموز الكثيفة، إنه لمن المثير أن يكون العالم القوي، وعنواناه الأكبران أوروبا وأميركا، مشغولاً هذا الأسبوع وفي وقتٍ واحد بملفّيْن كان اسما أراضيهما في زمن ما قبل الميلاد وقبل نشوء الامبراطورية الرومانية العنوانين الأكبرين في العالم القديم: فارس واليونان. هذه المرة لا يتصارع الجباران القديمان (كما في الفيلم الهوليودي الشهير 300) وإنما يتصارع عليهما ومعهما الجبابرة المعاصرون الأقوى منهما حضارياً وسياسياً واقتصاديا وعسكريا وثقافيا مع كل الاحترام والامتنان للشهنامة الإيرانية والتراجيديا اليونانية.
الذي يجري خلال هذا الأسبوع، كما يمكن للمراقب أن يرى من باريس، هو الذروة في إعادة رسم شخصية إيران في الشرق الأوسط الجديد وربما في كل الشرق الجديد وإعادة رسم حضور ودور اليونان ومن خلاله كل دول الصف الثاني في الاتحاد الأوروبي.
* نقلا عن "النهار" اللبنانية