.
.
.
.

كلفة عالية للمناورات الأطلسية

رغيد الصلح

نشر في: آخر تحديث:

تقول النظرية التدخلية الأميركية، أي التدخل الأميركي العسكري والسياسي خارج الولايات المتحدة، إن التاريخ العالمي والأوروبي خصوصاً مليء بتجارب الصراع والحروب. وهذه التجارب تبدأ قارية وإقليمية ثم لا تلبث أن تنتهي، بحسب التدخليين، بالزج بالولايات المتحدة وبتحملها أعباء كبرى وثقيلة الوطأة في هذه الحروب.

ويعتقد التدخليون الأميركيون أن هذا المشهد التاريخي سيتكرر حتماً حتى بعد انتهاء الحرب الباردة، وحتى بعد استتباب السلام شبه الدائم في القارة الأوروبية. فنهاية الحرب الباردة لم تمنع الحرب مع الإرهاب وظهور «داعش» التي تصنف في مصاف الأخطار الكبرى التي تهدد الولايات المتحدة نفسها. كما أن سقوط الاتحاد السوفياتي لم يمنع صعود «البوتينية» التي تسعى إلى إحياء الإمبراطورية الروسية وما تمثله من أخطار، كما يعتقد التدخليون، على العالم الأطلسي.

لم تتدخل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لحماية الدول الصديقة والحليفة. لكنها لم تتدخل أيضاً في بداية الحربين العالميتين الأولى والثانية، وإنما جاء تدخلها بعد سنتين من اندلاع هذه الحروب. وامتناعها عن التدخل اليوم ضد أعدائها في الشرق الأوسط لا يمنع انجرارها إلى التدخل العسكري والمباشر مستقبلاً.

ما العمل إذن؟ كيف يمكن حماية الولايات المتحدة من التورط من جديد في الصراعات والحروب القارية إذا استرجع الأوروبيون عاداتهم القديمة في قتل بعضهم بعضاً؟ فضلاً عن ذلك، كيف يمكن حماية الولايات المتحدة من التورط في الحروب الضارية التي تجتاح المنطقة العربية اليوم والتي تكاد تهدد أمن القارة وأمن الأطلسي؟

يرد التدخليون الأميركيون على هذا السؤال بالدعوة إلى تطبيق سياسة «السلم الاستباقي». وتطبيق هذه السياسة في مرحلة نهاية الحرب الباردة يتطلب إحياء سياسة احتواء روسيا في أوروبا وإبعادها من المياه الدافئة، خصوصاً المتوسط. والسير في هذه السياسة يقتضي اتخاذ كثير من الإجراءات، ومنها نشر منظومة الدروع الصاروخية حول روسيا، وتعزيز وتحفيز الحلف الأطلسي بشتى الوسائل. علاوة على ذلك، يرد التدخليون الأميركيون على هذا السؤال بالدعوة إلى توسيع تدخل واشنطن في الشرق الأوسط ضد القوى المناهضة للولايات المتحدة وللغرب عموماً. وبين هذه القوى تمثل «داعش» أكثر هذه الأخطار ضراوة وضرراً.

يقدم الإنعزاليون الأميركيون أدلة ملموسة على خطأ نظرية انجرار الولايات المتحدة الحتمي إلى الحروب الأوروبية، فالقارة شهدت سبع حروب خلال القرون الثلاثة المنصرمة، ولكن الولايات المتحدة لم تتدخل في أي منها. وهي تستطيع اليوم إحياء هذا النهج والامتناع عن التدخل العسكري خارج أراضيها. ويخيل للمرء أن إدارة باراك أوباما المتهم بالتلكؤ في مساندة المعارضة في بعض الدول العربية، قريبة من هذا الرأي، وبالتالي فإنها ليست مستعدة للتدخل الفاعل لا في أوروبا ولا في الشرق الأوسط، فهل هذا صحيح؟ أم أن إدارة أوباما هي، مثل أية إدارة أميركية أخرى، على استعداد للتدخل إذا اقتضت مصلحة الولايات المتحدة ذلك. في الحالات كافة، كيف يصنف دور واشنطن في تنظيم المناورات الضخمة القريبة التي يجريها الحلف الأطلسي على المسرحين الأوروبي والشرق أوسطي؟ هل يأتي هذا الدور في سياق «السلم الاستباقي»، أم هو عودة كما يقول بعض الإنعزاليين الأميركيين إلى الإمبريالية القديمة؟

الأهداف التي حددت للمناورات والظروف التي تتم فيها تجعلها أقرب ما تكون إلى نهج الهيمنة في السياسة الدولية. فأهداف المناورات هي، كما حددت، التصدي لـ «داعش» ولروسيا. وقد تكون هناك مبررات ومسوغات عسكرية كثيرة لحشر روسيا البوتينية و «داعش» في سلة واحدة، إلا أن هناك مسوغات سياسية مؤكدة للفصل بين الاثنين. وبصرف النظر عن الموقف الموضوعي تجاه «داعش»، فان مساواة روسيا بـ «داعش» تأتي في سياق تحريض الرأي العام الدولي والغربي خصوصاً ضد موسكو. إذا كان الأمر كذلك، فمن يتحمل مسؤولية هذا التدهور؟ هل تتحملها موسكو؟

خسر الاتحاد السوفياتي الحرب الباردة مع الغرب، ووفر بعض قادته على العالم دخول حرب ساخنة دفاعاً عن النظام السوفياتي المنهار. وفرض على روسيا أن تدفع ثمناً باهظاً لهذه الهزيمة. ولكن هذه الهزيمة لم تكن مطلقة. فروسيا بقيت، كما قال الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون، «البلد الوحيد القادر بمخزونه من السلاح النووي على تدمير الولايات المتحدة». وروسيا كانت إمبراطورية قبل قيام الاتحاد السوفياتي، ولبثت قوة كبرى بعد سقوطه، أي قوة لا يمكن تجاهلها في السياسة الدولية. وإذا كانت هناك مصلحة دولية عامة في إقامة علاقات طبيعية وحسنة بين الحكومات المتعاقبة في كل من روسيا وفي دول الغرب، فإن ضمان هذه العلاقات يتطلب تطبيق الشروط التالية:

أولاً: الالتزام بالتفاهمات المتبادلة بين الزعماء الروس وممثلي الحكومات الغربية التي سبقت ومهدت للتغييرات الكبرى في روسيا. في إطار هذا التفاهم، وعد الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف كلاً من الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران ورئيس الحكومة البريطانية جون ميجور ووزير خارجية الولايات المتحدة جيمس بيكر بسحب القوات الروسية من ألمانيا الديموقراطية وبتفكيك حلف وارسو، كما جاء في كتاب باتريك بوكانين «جمهورية لا إمبراطورية: استرجاع المصير الأميركي».

وفي مقابل ذلك حصل آخر رئيس سوفياتي على تأكيدات منهم بأن الحلف الأطلسي لن يتوسع شرقاً وبأنه لن يقبل بانضمام أي دولة من دول حلف وارسو السابق إلى صفوف أعضائه. ونفذ الزعماء الروس الالتزامات التي تعهدوها، بينما أخفق زعماء الدول الثلاث في الغرب في الالتزام بالوعود التي أطلقوها. فلم يجر توسع «ناتو» شرقاً فحسب، بل جرت مطاردة للنفوذ الروسي في جمهوريات آسيا الوسطى وفي بلاد القوقاز فضلاً عن أوكرانيا وروسيا البيضاء. وعندما أخذ بعض الأوساط الاميركية يتحدث عن شراء سيبيريا من روسيا، بدا وكأن المشروع الأميركي يتلخص في حصر بقايا الإمبراطورية الروسية في الكرملين والساحة الحمراء فحسب!

ثانياً: إحترام المصالح الاستراتيجية المشتركة والمتبادلة. ولقد كانت هناك مصالح كثيرة مشتركة بين النخب الحاكمة في الغرب وفي روسيا، وفي مقدمها ضمان الانتقال السلمي والثابت إلى النظام الديموقراطي. وكان من مصلحة الطرفين (النخبة الأميركية والنخبة الروسية الجديدة) تلافي الأخطاء الفادحة التي ارتكبت خلال مؤتمر الصلح في أعقاب الحرب العالمية الأولى، والإبتعاد عن إذلال النخب الالمانية التي صعدت بعد الحرب وعن إلزامها بتنفيذ عقوبات قاسية اتخذت ضد ألمانيا. لكن في الحالين الألمانية بعد الحرب الكبرى والروسية بعد الحرب الباردة، بدل أن يساعد المنتصرون النخب الحاكمة الجديدة في جمهورية فايمار الألمانية وفي جمهورية ما بعد الحرب الباردة الروسية على تعزيز صدقيتها الوطنية، فإنهم أثقلوا كاهلها بالشروط والتنازلات الثقيلة. وانهارت المانيا تحت وطأة هذه الشروط، أما النخبة الجديدة في روسيا فتلافت هذا المصير عن طريق مراعاة المصالح الوطنية الروسية.

حاولت واشنطن أن تخفف من وطأة سياسة تطويق روسيا بمنظومة الدرع الصاروخية عن طريق القول بأن الغرض من هذه المنظومة هو التصدي للصواريخ الإيرانية والحيلولة دون وصولها إلى أهداف بعيدة المدى، خصوصاً في القارة الاوروبية. لكن لم تكن هذه الحجة كافية لتمويه الهدف الحقيقي لهذه المنظومة. أما الآن وبعد التوصل إلى التفاهم الأميركي - الإيراني، وحتى ولو لم ينحسر التوتر كلياً عن العلاقات فإنه لم يعد مستساغاً أن تقول الإدارة الأميركية إن الغاية من المنظومة هي احتواء إيران وتهديدها بالصواريخ المضادة. فهل يصبح الهدف الروسي هو الهدف المعلن والصريح للدرع الصاروخية كما هو هدف المناورات العسكرية للأطلسي؟ إن النزعة الصقورية الأميركية المتغلغلة في واشنطن تتحمل إلى حد بعيد مسؤولية التوتر في العلاقات الأميركية - الروسية، وهي قادرة على تعميق أزمة هذه العلاقات وعلى تكرار التظاهرات العسكرية والسياسية ضد روسيا وضد فلاديمير بوتين. لكن هذه لعبة خطرة قد يدفع الأميركيون ثمنها غالياً.
نقلاً عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.