.
.
.
.

مَنْ الأولى بالوصاية الدولية؟

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

زميل وصديق قديم، هو من الإعلاميين السعوديين المرموقين، كتبَ إليّ صباح الخميس مستغرباً ومستنكراً، ضمنياً، التصريح الأخير لنائب رئيس الجمهورية ورئيس حزب الدعوة الإسلامية نوري المالكي، الداعي إلى وضع السعودية تحت الوصاية الدولية.
الزميل والصديق قال في رسالته الإلكترونية "مع حبي لبلدي العراق الذي أحبه كثيراً هو أولى بأن يُوضع تحت الوصاية الدولية حسب معايير المالكي"، وقد أجبته بما اجتهدت بأنها دوافع السيد المالكي في إطلاق دعوته تلك، وهي في ما أرى دوافع سياسية شخصية وحزبية في المقام الأول لا تتعلق بقضية الإرهاب وتفاقمه فقط، وإنما أيضاً بالتطورات الإقليمية والدولية الأخيرة، بينها الاتفاق بين ايران ومجموعة خمسة زائداً واحد والذي تحفّظت عليه السعودية ودول الخليج، وبأحداث اليمن وسوريا الراهنة وما إلى ذلك.
بعد ساعات قليلة من تسلّمي رسالة الزميل والصديق السعودي جاء في الأخبار أن وزارة حقوق الإنسان (العراقية) دعت في بيان بشأن موجة التفجيرات الإرهابية الأخيرة في بغداد الى إجراء تحقيق دولي في هذه الجرائم. قلت في نفسي وأنا اقرأ البيان أن الدعوة الواردة فيه تتّسق مع فكرة الزميل والصديق السعودي بان العراق أولى بأن يوضع تحت الوصاية الدولي "حسب معايير المالكي"، فبيان وزارة حقوق الإنسان اعتراف صريح بعدم قدرتنا على مواجهة الإرهاب والتحقيق في جرائمه.
أنا أيضا أعتقد أن العراق في حاجة الى الوصاية الدولية، وأظن أن وضع بلادنا تحت وصاية الأمم المتحدة أو التحالف الدولي أفضل للشعب بما لا يقاس من إبقائه تحت وصاية طبقة سياسية لم تعمل خيراً لبلادها وشعبها ولن تعمل، وهي بذلك شديدة الشبه بنظام صدام الذي ظنّنا أن مجرد الخلاص منه سيُفضي بنا إلى جنة عدن المفقودة، فإذا بنا نكتشف أننا لم نتحرك قيد أنملة بعيداً عن ذاك الجحيم، بل إن بعض العراقيين يقولون علناً اليوم إن الأوضاع في عهد نظام صدام، خصوصاً على صعيد الخدمات العامة، كانت أفضل، وإن الفساد الإداري والمالي الذي يدمّر دولتنا الحالية ويتسبب في تفاقم الإرهاب، كان في أدنى مستوياته، وإنهم بينما كانوا يتعاملون مع صدام واحد فهم يخضعون اليوم لاستبداد وظلم مئة صدام وصدام، هم قادة الأحزاب والكتل والائتلافات والميليشيات وغيرهم من المتنفذين في السلطة.
أنا أؤيد وضع البلاد تحت وصاية دولية لضمان ألا تحدث الأمور العجيبة الغريبة التي نشهدها اليوم، واليكم واحداً منها:
أول من أمس صرح نائب محافظ بغداد، جاسم البخاتي، بأن "ما يدعو للعجب هو تأخر مشروع كاميرات المراقبة في الشوارع، ذلك المشروع الستراتيجي الذي يحفظ بغداد وأهل بغداد"، عازياً سبب التأخير إلى "التقاطعات السياسية وعدم التفاهمات وحتى لا يُحسب هذا المنجز لفلان وفلان". والسيد البخاتي لا يكشف بهذا سرّاً في الواقع، ففي مرات عدة قال محافظ بغداد علي التميمي مثل هذا الكلام!
القوى السياسية المتنفذة في حكومة بغداد ومجلس محافظتها والمتنافسة في ما بينها على السلطة والنفوذ والمال تعرقل نشر منظومة الكاميرات في شوارع بغداد وساحاتها وأحيائها والسبب يعود إلى عدم رغبة بعض هذه القوى في أن يُحسب المشروع لصالح جهة بعينها!.. وإذا عُرِف السبب بَطُل العجب كما يقال، ولابدّ لمن لا يعرف أن يعرف أن التحالف الوطني (الشيعي) هو المتنفّذ في حكومة بغداد ومجلسها، كما في مجلس النواب الاتحادي والحكومة الاتحادية، وأن المقصود بعدم الرغبة في حساب مشروع الكاميرات لصالح جهة معينة هو أن أطرافاً في التحالف الوطني (دولة القانون والمواطن وبدر خصوصاً) لا تريد للمشروع أن يُجيّر لصالح التيار الصدري الذي منه المحافظ علي التميمي!
زميلي وصديقي الإعلامي السعودي: للأسف الشديد انك على حق في أننا الأولى بوضعنا تحت الوصاية الدولية، فهي ستكون أرحم بنا من هذه القوى السياسية المفتقدة للرحمة والضمير والوطنية، بحسب ما ينطق به مثل منظومة الكاميرات، وهو ليس سوى واحد من مئات الأمثلة.


*نقلاً عن "المدى" العراقية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.