.
.
.
.

العلاقات المصرية السعودية حجر الزاوية في مواجهة مشاريع التفتيت!

محمد رشيد

نشر في: آخر تحديث:

وقوف الأمير محمد بن سلمان إلى جانب الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال حفل تخريج للقوات المسلحة المصرية بالقاهرة كسر كل الشكوك و"التنجيمات" السياسية دفعة واحدة، ذلك لأن ما بين مصر والسعودية أكثر بكثير من علاقات دولتين تجمعهما مصالح مشتركة وعواطف تاريخية متبادلة، وتجارب استثنائية سابقة علمت التوأمين أصول الاختلاف، كما علمتهما قواعد الاتفاق، فلا مصر تقبل مجافاة المملكة ولو للحظة واحدة، ولا السعودية ترضى الابتعاد عن مصر ولو لخطوة واحدة، وبالتالي يخطئ من يحاول أن يصطنع تميزاً أو سبقاً على صدى الاختلاف بين القاهرة والرياض.

سبقت زيارة ولي ولي العهد السعودي إلى القاهرة زيارة ناجحة للغاية قام بها وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى الرياض، مفوضاً من الرئيس السيسي، بهدف صياغة رؤية مصرية سعودية استراتيجية متكاملة تشمل في ما تشمل، ملفات سوريا واليمن ومكافحة الإرهاب. ووفقا لمعلومات موثوقة، يمكن التأكيد بأن الأسابيع القليلة القادمة ستشهد حركة دبلوماسية دولية دؤوبة على محور الرياض القاهرة، وبصورة خاصة ما يتعلق منها بالملف السوري، لبلورة توافق عربي دولي لقواعد الحل السياسي، وبتطبيقات "انتقالية" مؤقتة.

وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ورئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيدف يلتقيان الرئيس عبدالفتاح السيسي على التوالي يومي 2 و6 أغسطس، ويرجح انعقاد جولة جديدة من التنسيق المعمق بين الرئيس المصري وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد في غضون الأسبوع المقبل، ومن المتوقع أيضاً عقد لقاء وزاري ثلاثي يحضره جون كيري ووزيرا خارجية روسيا الاتحادية والمملكة العربية السعودية، سيرغي لافروف وعادل الجبير لبحث آفاق "الحل السوري "على نحو خاص.

كل تلك التطورات تبعث برسالة اطمئنان واضحة على صحة وسلامة العلاقات المصرية السعودية، والشراكة الاستراتيجية بين بلدين يمثلان الركيزة الأساسية، وحجر الزاوية في مواجهة الإرهاب والتغول الإقليمي ومشاريع التفتيت والتقسيم القديمة والجديدة.

طبعاً، ودوماً يجوز السؤال عن مستوى التفاهم السعودي المصري في كل مرحلة، وحول كل قضية من قضايا منطقتنا، وأبله من لا يسأل ذلك السؤال، أو يدقق في مستوى التفاهمات المصرية السعودية، على الأقل من باب الاطمئنان على مصير المنطقة، إذ ليس من المعتاد أن يتعثر الركب، إذا ما اتفقت رؤية الرياض مع توجهات القاهرة، وليس من الطبيعي ألا تهتم الرياض بما يشغل بال القاهرة، والعكس صحيح طبعاً، وتلك هي طبيعة العلاقات بين القطبين الإقليميين منذ عام 1969، أي ما قبل وفاة الزعيم جمال عبدالناصر بعام تقريباً.

تأسيساً على ذلك، يجوز اليوم، بل يتوجب السؤال عن مستوى العلاقة بين الرياض والقاهرة في اللحظة الراهنة، وعن مواقفهما إزاء القضايا التي تشعل المنطقة، أو تشغل بال أهلها، فهل العلاقات السعودية المصرية بخير؟ وهل هي قادرة على الاستجابة الفاعلة لحدة الصراعات المشتعلة في هذه اللحظة الحرجة؟

الجواب الطبيعي عن ذلك السؤال التقليدي هو "نعم".

لكن كلمة "نعم" قد لا تكون أحياناً كافية وشافية، أو قد لا تكون شفافة بقدر حاسم، لمجابهة ما يشاع من روايات وإسقاطات، وربما كان هناك ما يستدعي "تقريب" زوايا نظر القاهرة والرياض إلى الأحداث بين الحين والآخر، وربما ليس من الحكمة ترك الأمور لسياقها الروتيني، لأن ذلك قد يفتح حيزاً استثنائياً للتأويل والتفسير، وحيزاً أوسع لضغوط إقليمية حثيثة، تستهدف عمق الروابط الأخوية بين البلدين، بهدف استبدال "الوضوح" التاريخي، ببعض "غمامات" اللحظة الراهنة.

مؤخراً تكاثر المفسرون، وتنافسوا في "التنجيم" بحثاً عن تأويل الأمور كل حسب "فنجانه" أو رغباته السياسية، ومنهم من قال إن هنالك "بروداً" في علاقات مصر والسعودية، فحمل الحقائق أكثر مما تحتمل، بإرجاع سبب "برود العلاقات" إلى الانتقال الطبيعي للحكم في المملكة العربية السعودية، وغالى في ذلك البعض إلى حد اصطناع اختلاف ما بين "عهد" خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز، والادعاء بأنه ينظر إلى مصر بصورة مختلفة عن نظرة "عهد" سلفه الراحل والمغفور له الملك عبدالله بن عبدالعزيز، بل ذهب أولئك "المفسرون" إلى أوسع من ذلك بكثير، برد السبب إلى اختلاف في نظرة "العهدين" السعوديين إلى جماعة الإخوان المسلمين.

آخرون زجوا بملف العلاقة أو التوتر مع "إيران" على طاولة الحوار "الخجول" بين القاهرة والرياض، وإثارة غبار كثيف عن اقتراب "لحظة نوعية" في العلاقات المصرية الإيرانية، وشرحوا بدأب مزايا أو مخاطر تلك العلاقات الافتراضية و"النوعية" على أمن الخليج، بل إن بعضهم ذهب إلى حد اعتبار الأمر "مناورة مصرية" للضغط على المملكة ودول الخليج، كما أن بعضهم الآخر اعتبر علاقات المملكة مع أنقرة بديلاً عن مصر، أو هي "ورقة ضغط" على مصر.

ملف سوريا هو الآخر اعتبره البعض، ودون أية وجاهة أو معلومات حقيقية، مسألة خلاف وصراع بين الرياض والقاهرة، وبين الادعاء أن مصر حريصة على "بقاء الأسد"، والادعاء المقابل بأن المملكة لن تقبل بأقل من "رحيل الأسد" قبل انطلاق قطار الحل السياسي، رغم أن المشهد من ناحية واقعية يُظهر خلاف ذلك، حيث تبدو الجهود السعودية المصرية أكثر حكمة وتظافرا لبلورة "أفق سياسي"، ينهي الأزمة الوحشية الدامية في سوريا، وعلى أساس "تفاهم" مشترك يمنع سقوط سوريا بيد ميليشيات الحرب "الإسلامية"، ويمنع أيضاً استمرار النفوذ الإيراني في سوريا، كما يمنع بقاء "نظام" قتل شعبه بكل عنف وهمجية.

ولكن، وفي ظل غياب "البديل السحري"، سكتت مصر والمملكة عن الكلام المباح، وانشغلتا في التعامل الجدي مع نيران الأزمة السورية مع موسكو ولندن وباريس وواشنطن.

استبعاد كل تلك التفاسير لا يعني في مطلق الأحوال أن "غمامة "لم تمر بسماء العلاقات، نعم كانت هناك "غمامة"، نتجت عن تسارع أحداث اليمن عشية انعقاد القمة العربية في شرم الشيخ، وما رافقها من "تمهل" مصري في إعلان قرار المشاركة العسكرية في "عاصفة الحزم" ليوم أو يومين، بالتوازي مع "استعجال" غير تقليدي في تدفق العمليات العسكرية والضربات الجوية الخليجية.

كل ذلك أظهر ويظهر مدى الحاجة إلى تعميق "التفاهمات" المصرية الخليجية، والسعودية تحديداً، وليس العكس كما يتمنى ويروج له البعض، ومن أجل تعزيز التوافقات المنشودة بين القاهرة والرياض حول مختلف قضايا الأمن القومي، وأيضاً الحاجة إلى بلورة رؤية مشتركة لكيفية التعامل مع الأخطار المحدقة أو المحتملة، في مواجهة أخطار "تقسيم وتفتيت طائفي" تهدد دولنا جميعاً، بدلاً من الانشغال بمقال أو رأي من هنا، أو بدسيسة وتسريبة من هناك، وآخر المعلومات تؤكد أن زيارة وزير خارجية مصر سامح شكري إلى الرياض واجتماعاته مع قادة المملكة كانت ناجحة جداً.

فهل ذلك يكفي؟ قطعاً لا، فتدفق الأحداث، وضرورات المرحلة الراهنة، توجب نمطاً جديداً من الجهد السياسي، ومستوى مختلفاً من التفكير والتنسيق الدوري، وقد تكون نقطة البداية توافقا مصريا سعوديا على عقد قمة ربع سنوية.

لمتابعة ما تحقق، والاستعداد لما قد يستجد، إلى جانب تفعيل وتشغيل كل مستويات العمل، لتعزيز التعاون وحماية مستقبل التوأمين، فقوة وسلامة السعودية ومصر تشحذنا جميعاً بهمة مضاعفة، لمواجهة التقسيم والتفتيت الطائفي، ولقطع الطريق أمام "لعبة" التقاسم الوظيفي الإقليمي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.