.
.
.
.

رفقا ببيروت

صباح ناهي

نشر في: آخر تحديث:

ظلت بيروت العاصمة اللبنانية عروس المتوسط تحضى بأهتمام الدنيا وليس العرب وحدهم , ورغم نالها مانالها من جراح الحروب العبثية التي حولتها سني السبعينات الى مسرح عبث حقيقي حصدت اطراف الصراع هناك وانهكت حياتها ونالت من جمالها ,وحملتّها أعباء ثقيلة الى الان مازال ناسها وكل اللبنانيين ينؤون بها , وشوهت وجهها الحضاري الذي بنته الذي كان حصيلة حضارات ومنجز كيانات وسلالات بشرية , أنفقت جهداً هائلا كي يوصلوا بيروت وكل لبنان الى مركزٍ فكريٍ وحضاري مرموقٍ في عالمنا العربي والشرق الاوسط .

واذا كانت مقولة "القاهرة تفكر وبيروت تطبع والعراق يقرأ " قد جعلت بيروت مركزاً للاعلام والثقافة في محيطنا العربي , وتوافد مئات المثقفيين العرب واقرانهم طيلة مراحل حياة بيروت الثرة , فان هذا الدور والأرث المميز لها , يجعل كل أولئك وهؤلاء المعجبين بكل تلك السيرة العطرة يقفون صفا فاغري أفواههم ان يروا بيروت مشغولة بأزبالها والناس تحرق مخلفاتهم في الشوارع !
آي زمن هذا صاح صاحبي المدمن على حب بيوت عاصمة المتوسط وعروسها ؟

نعم تحت آي تفسير وذريعة يُبرر أهل بيروت هذا العبث بسمعتها ؟ الذين كنا ننظر الى اناقتهم و" شياكتهم " وجراءة الوانهم وملاذاتهم التي تشي أن مجتمعا حضريا يتميز في عالمنا العربي , المشغول حد القتل بخلافات تاريخية حدثت قبل اربعة عشر قرناً في داحس والغبراء , وليس الحمرا وعوالمها الآسرة التي ما ان تحل فيها الا وتكتشف ان الحياة تنبض برغم كل الجراحات التي لم تندمل بعد, لحين تنسل الى الجميزة التي حولتها شطارة ونباهة اللبنانين الى ملاذ شعبي لمتعتهم وضيوفهم , لحين تاخذك قدماك الى الاشرفية بكل تحضرها وتناغم روح التوافقات والتسامحات هناك لحين تصل الى كورنيش بيروت وساحلها الذي تلاطم امواج البحر صخرة الروشة بكل رمزيتها للبانيين جميعا, وحين تذهب بعيداً حيث الجبل الذي تنخفض فيه الخلافات والتوترات كما انخفاض درجات حرارة الطقس فيه .

الا تجعل هذه العوالم وسواها الكثير من ساحل لجبل لهضبة من اهل بيروت ولبنان عموما يفكرون الف مرة ان يحفظوا وجه عاصمتهم ورقتها وعذوبتها وتغليب الحياة فيها على الصراعات مهما كانت , ان لا تشوه او تخدش تلك المرآة الجميلة التي نرى فيها صورة اخرى لبلاد العرب من فنار عال لنفاخر به الضفة الاخرى من المتوسط ؟

لن نسمح لكم نحن عشاق بيروت مهما كنتم اقوياء ومتنفذين ان تقتلوا جماليات هذه المدينة التي كنا ومازلنا نراها أجمل المدن وارقاها بان تتحول صراعاتكم الطائفية والمذهبية والمناطقية والاثنية ,الى منتج يعاني منه اهلها المتحضرون الصابرون على هذه وتلك البلوى .
صورة الصراع على نظافتها اي كانت الاسباب والمتسببين واي كانت المسوغات والتبريرات والذرائع لايعبر إلا عن ازمة في بنية ادارة الدولة وليس حدثا عابراً .

حاصروا الناس بخلافاتكم وصراعاتكم من اجل مجد السلطة وعناوينها ومكاسبها وامتيازاتها ولكن لا مناص من تُبقوا على حد ادنى من لياقة الخلافات الى الحد ان لا يكون الخبر الاول في صحافة بيروت واعلام الفضائيات عن " الازبال تحاصر بيروت "
هذا يخدش حياء المدينة وصورتها بل تأريخها , اليس كذلك ؟

د. صباح ناهي / كاتب وأكاديمي عراقي مقيم في دبي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.