.
.
.
.

المواطن اللبناني المسؤول الأول

علي حماده

نشر في: آخر تحديث:

لبنان الدولة أشبه بجسم مهترئ متحلل تفوح منه رائحة نتنة شبيهة برائحة النفايات التي امتلأت بها شوارع العاصمة. لبنان في أزمة عميقة لأسباب سبق أن خضنا فيها مراراً وتكراراً هنا، أما المعالجات فشبيهة بالحل الموقت (لأيام معدودة) الذي جرى اجتراحه لتنظيف بيروت من النفايات المتكدسة في كل مكان. إذاً نحن أمام أزمة عميقة مديدة، تقابلها معالجات موقتة بمثابة مسكنات خفيفة لا تشفي ولا حتى تلغي الأوجاع.

هذه صورة سوداوية، ولكنها أقل سوداوية من الواقع الذي نعيش، أو من المستقبل القاتم الذي يرتسم في الأفق ما لم يتم التصدي للأزمة في عمقها. والحقيقة أكثر قتامة مما نتصور. وأضواء بعض التظاهرات الترفيهية كالمهرجانات والحفلات الموسيقية، أو حتى بعض معالم الحياة الصاخبة على نطاق ضيّق تقتصر على قلة مقتدرة، لا يمكنها في أي حال أن تخفي حجم الماساة التي بلغها الاهتراء والتحلل لدولة في بعديها المؤسساتي والوطني.

لا وطن من دون دولة. هذه حقيقة يجب أن يدركها اللبنانيون جيداً. وفي لبنان لا دولة، ولا مؤسسات أمدنية كانت أم أمنية أم عسكرية. جل ما في الأمر أننا بازاء مظاهر دولة ومؤسسات لا أكثر. حتى مؤسسة الجيش التي ينظمون فيها قصائد الزجل ليست مؤسسة على صورة قصائد المديح التي تنظم فيها. ربما كانت مؤسسة الجيش أقل اهتراء من غيرها من مؤسسات الدولة اللبنانية، لكنها لا يمكن إلا أن تلتحق عاجلاً أم آجلاً بركب الاهتراء والتحلل العام الذي يشهده لبنان على مختلف المستويات. فلا تتوقعوا المعجزات لأن المؤسسات كلها لا يمكن إلا أن تعكس صورة البلد. إنها مرآة عاكسة لأزمة لبنان العميقة والمديدة.

لا دولة في لبنان. ولا مواطنية. ولا أبالغ إن قلت إنني ما زلت أبحث عن شعب لبناني، ورأي عام لبناني متحرر وواع لواقعه المأسوي. نعم الفرد اللبناني موجود، وواع، ورائد، ومقدام، وصاحب طاقة غير اعتيادية، ولكن بمقياس الفرد لا الجماعة. هنا الاشكالية الكبيرة التي تدفعنا الى التذكير بالحديث القائل: "كما تكونون يولّى عليكم". بمعنى أن الشعب المتألم، والذي اكتشف متأخراً قبل أسابيع قليلة أنه في "مزبلة" توهم أنها جنة، يستحيل أن يكون أفضل من حكامه الذين تقع على عاتقهم مسؤولية كبرى في ما آلت اليه الأوضاع الحالية. أما مسؤولية الشعب الى أي فئة انتمى فلا تعلوها مسؤولية بمجرد أن قبلت هذه الجموع أن تتحول قطعان غنم هنا أو هناك، بخضوعها الأعمى هنا أو هناك.

طبعاً لا أساوي بين الجميع، والفرصة التي ضاعت في الرابع عشر من آذار 2005 لبناء وطن ودولة، إنما ضاعت أساساً لوجود فئة مجرمة ذهبت بالبلاد من انهيار الى انهيار، ودفنت بارقة النور التي لاحت مع خروج مليون ونصف مليون مواطن الى الشارع لأجل لبنان، وحوّلت لبنان على صورتها بلد اللادولة واللامستقبل.

ما لم ينتفض الشعب على نفسه أولاً فيتغير ليتغير حاضره، لن يكون له مستقبل، وسيستمر الموت البطيء.

*نقلا عن صحيفة النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.