ما بعد كلمة "عاجل"!
أخبار السياسة وكلمة "عاجل" المتكررة على المحطات الإخبارية تجعل الواقع أكثر شؤما مما يبدو عليه. من مهمات الساسة والمعلقين الحديث عن المشاكل، ولا يوجد هناك عاجل في التلفزيونات عن خبر سعيد ومبهج. هذه طبيعة العمل الإخباري الذي يركز على الأحداث المفجعة من تفجيرات ومجازر وزلازل لأنها تشد اهتمام المشاهدين. فالناس يهتمون بعدد الضحايا أكثر من عدد الناجين. الأخبار العاجلة ضخمت من القصص اليومية, فكل حدث صغير يتحول إلى القصة الأكثر رواجا وتداولا, وهذا ما ألقى بظلال سوداء على المزاج العام المندفع لأسباب حقيقية ومتخيلة للشكوى.
لكن هل الواقع يدعو للتشاؤم والإحباط؟
بالتأكيد هناك أحداث تدعو للاكتئاب ولكن بالمقابل فإن هناك أشياء جيدة وإيجابية. لا يعني هذا أن الواقع وردي، ولكنه معقول ويدعو للتفاؤل. لنتذكر فقط أن نسبة المتعلمين من الخليج في جامعات غربية متطورة صعدت بشكل جذري خلال السنوات الأخيرة، وزاد عدد الطلاب السعوديين فقط عن أكثر من 100 ألف طالب وذات الشيء في الامارات والكويت وقطر. هذا خبر جيد ولكنه لا يلفت الانتباه كثيرا ومع هذا هو مرتبط عضويا بثلاثة أخبار سعيدة. الأول هو أن عدداً أكبر من الخليجيين يتحدثون اللغة الإنجليزية، أكثر من أي وقت مضى في تاريخ المنطقة وهذا أمر مهم لتحديث الوعي وسهولة الانفتاح على ثقافات أخرى.
الخبر الثاني هو إمكانية حصولهم على فرص وظيفية في السوق الخاص، مما يخفف العبء على الحكومات ويزيد من سماكة الطبقة الوسطى التي لن تكون فقط مستقرة، ولكن متعلمة وهذا أمر مهم في المستقبل. أما الخبر الثالث فإن هؤلاء الطلاب قادمون من كل الفئات، الأمر الذي سيحدث تحولات إيجابية مادية واجتماعية.
بالنسبة للتعليم الداخلي فقد تضاعف عدد الجامعات لتصل في السعودية إلى 34 جامعة، بعد أن كانت محدودة العدد حتى وقت قريب، وتراجع التعليم التقليدي التلقيني أمام التعليم الحديث. من الصعوبة تخيل أن التعليم التقليدي سينتصر في وسط شعوب متغيرة وتتصل بالعالم عن طريق هواتفها المحمولة.
بإمكان أي شخص أن يشاهد ويستمع ويقرأ ما يريد، وإذا أراد مزيداً من الثقافة والتعلم فالجامعات العريقة تحمل محاضراتها على قنواتها في اليوتيوب. الفكرة هي: حتى لو تخشبت المؤسسات التعليمية فعقول البشر تتقدم ولا تتوقف عندها، خصوصا مع الثورات التقنية التي نعيشها.
على الرغم من بشاعة الأعمال الإرهابية فقد نتج عنها بشكل غير متوقع نتائج إيجابية. بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية تدفقت أكبر موجة نقد فكرية للأفكار المتطرفة، وبالفعل نتج عن هذا خطاب ديني متسامح عقلاني، قاده رموز من كتاب ومفكرين ودعاة مستنيرين، من السهولة أن تتابع نشاطاتهم بضغطات زر.
في السابق كان هؤلاء الكتاب محاصرين وغير معروفين من الجمهور العام، أما الآن فأصبح لهم قنوات على يوتيوب وآلاف المتابعين على توتير. صحيح أن الدعاة المتشددين مازالوا أكثر منهم جماهيرية وعددا ولكنها فقط البداية. على الأقل النتيجة ليست عشرة مقابل صفر، كما كان قبل سنوات قليلة. في مجتمعات تتغير باستمرار ومرت بتجارب مريرة من التطرف، من الصعب أن يهيمن خطاب المتشددين إلا بالقوة بالطبع، وهذا ما ينقلنا إلى نقطة إيجابية أخرى نغفل أحيانا عن الانتباه لها وهي قوة الدولة.
قوة الدولة هي الحصن الذي من شأنه أن يمنع الحركات المتطرفة من الانقضاض والتمدد، وهذا ما حدث في بلدان حينما انهارت فيها الدول فتغولت الحركات المتطرفة. الدول في الخليج في أفضل حالاتها وحتى الدول التي عصفت بها الخضات السياسية، مثل مصر وتونس استطاعت أن تنتصر على الإرهاب وتحافظ على تماسك النظام السياسي. نعم هناك داعش ولكن فقط الدواعش الغاطسين في أحلام الخلافة والحوريات من يعتقد أنها ستستمر طويلا. التفجيرات التي طالت مساجد شيعة في السعودية والكويت نتج عنه تكاتف وتلاحم اجتماعي شدد على أهمية الوقوف جميعا، أمام شرور العمليات الإرهابية التقسيمية.
بالنسبة إلى الحقوق الإنسانية فالأوضاع الآن أفضل من السابق، مؤخرا أصدرت دولة الإمارات قانون الكراهية والعنصرية، هو يعد خطوة متقدمة للحفاظ على حقوق الناس من الظلم والأذى حتى لو كان بكلمة نابية ومقيتة. أليس خبرا جيدا يستحق الاحتفال أن يحكم على العنصريين بالسجن سنوات عدة لتفوههم بكلمات عنصرية كانوا يعدونها طبيعية وعادية.
في السعودية تم مؤخرا ملاحقة شخص قام بصفع امرأة في السوق، وسيخضع للمحاكمة قريبا. حقوق الإنسان وخصوصا المرأة والطفل تحتاج إلى وقت وعمل طويل، ولكن هناك بعض التقدم الذي لا يمكن تجاهله. العادات الاجتماعية أيضا تغيرت للأفضل. انتهى زمن الرجال الذين ينجبون قبائل مكونة من عشرات الأطفال وخفت دلالات مسميات سلبية، مثل المطلقات ولم تعد تسمع كلمة عانس إلا في المسلسلات الدرامية الرديئة.
الإعلام العربي في السابق كان يعتمد على البروباغندا والشعارات ولكن بتأثير محطات، مثل "العربية" أصبح الإعلام أكثر حيادية واتزانا. المشاهدون في السابق يفضلون رؤية الضيوف وهم يتعاركون ويتبادلون اللكمات، ولكنها الآن مناظر تثير اشمئزازهم وتدفعهم لتغير المحطة. الإعلام العقلاني كشف مغالطات ومبالغات الإعلام المنبري. أخرجه من المنافسة وأضعف من سطوة تأثيره على المشاهدين.
في التعليم والإعلام والسياسة وغيرها من مظاهر الحياة من الممكن رؤية علامات تقدم وتحسن، إذا دققنا النظر خلف إشعاع كلمة "عاجل". على الأقل يمكن البناء على الأشياء الإيجابية ولكن ماذا يمكن أن تبني على شكاوى الإحباط إلا المزيد منها.