.
.
.
.

سعود الدوسري، كان يمكن الرحيلَ أن ينتظر فاستعجَلَ

فاطمة عبدالله

نشر في: آخر تحديث:

انطفأ بدن سعود الدوسري ليلاً فحلّ النهار وأشرقت الشمس ولم تحمل إلى العينين نوراً. يرحل في سكينة، هناك في باريس حيث الليالي أيضاً قد تصبح موحشة. نستفيق على نبأ مؤلم، وكلّ الأحوال تطفح بالألم، حتى الظنّ أنّ العُمر كثافة توجّعات عميقة. الإعلامي السعودي الأنيق المُبتسم بسمة القلوب الطيّبة، سعود الدوسري يغادر الأرض على عَجَل. يحلّ الموت وهو في عزّ العطاء، قدّم الكثير وكان يودّ أن يُقدّم أكثر. 47 عاماً ليست بحجم الأحلام. يُبنى الاسم ويكبُر، فإذا بقسوة الموت تُباغته وتقطف من روعة النضوج ثمرة تُزيّن شجرة.

من إذاعة الرياض، بدأ الدوسري (مواليد 1968) مشواره، متابعاً شأن السياسة ونشرات الأخبار. ثم استهواه التلفزيون، فانتقل إليه مُبقياً على قراءة الأخبار، حتى وجد أنّ الرغبة في ميدان آخر. راح يقرأ الأشعار بصوته العذب الآتي من الأعماق، إلى أن استقرّ على تقديم البرامج الفنية، منها "حنين" ("أوربت") الذي حاور عبره فنانين برقي واتزان. هو صاحب الوجه الحَسن المُحبَّب، والابتسامة المتقلّبة بين الثقة ورقّة الخجل. أتى إلى مجموعة "أم بي سي" بفرح الانتقال إلى صُحبة الأساتذة، وكانت الطموحات كبيرة والاستعداد أكبر والحماسة لا تعرف الانضباط. أعان الدوسري وجهٌ كاريزماتيّ يُتقن النظرة إلى الآخر وجَذْبه نحو القلب. وجهٌ أضفت عليه الشَيْبة وقاراً وزادته الرصانة هيبة. لم يكن في "صباح الخير يا عرب" ("أم بي سي") مقدِّماً يؤدي وظيفة، بل إعلامياً يحمل البرنامج إلى النجاح. الدوسري ممن وضعوا التميُّز في مرتبة النجاحات الكبرى، جاعلين الفرادة هَماً والألمعية قلقاً دائماً، فاستحقّ الجوائز. فريدٌ، مُتميّز، حالم، يترك من أنفاسه أينما حلّ، في "أم بي سي" أو "أوربت" أو "روتانا خليجية"، والتجارب الناجحة الأخرى.

غامضٌ هذا الموت، يكاد لا يُصدَّق رغم رحلة المعاناة الطويلة. حلّ عليه باكراً وحلّ علينا صادماً. يتحدّثون عن نوبة قلبية سبّبت هذا الرحيل، وهو الذي قدّم في رمضان "ليطمئن قلبي" ("روتانا خليجية")، بيد أن بعض القلوب لا يدرك الطمأنينة حياً هو أم ميتاً. ليس طمأنينة اليوميات نقصد، بل الوجود برمّته، حيث يتراءى الدوسري كمن حمَّل الأعماق ثقل الكون حتى فاضت الأثقال وسقط.

ليس المرء بالسنين وعددها، هو في الروح، إن شابت شابَ، وإن أبقَت على الصِبا، عاشَ ضحكة الطفولة وشغب الأولاد ما دام يتنفَّس. لعلّ الدوسري انهمك في المشاغل حتى تراكم "شيبٌ" ما في الروح وكبَّر أوجاعها. شيبٌ لا يصيب إلا الأرواح المُصرّة على الأحلام العظيمة، والدوسري ممن لم يكتفوا بالسقف، في العمل وفي العيش، فشابَ الشعر جمالاً وشابت الروح أحمالاً، وما عاد القلبُ يقوى.
نُفاجَأ بالموت وهو يهبط في الليالي فيُفسِد الصباحات. نوبات القلوب تتروّى أحياناً حيث تشاء أن تصيب، فتمنح مَن هم دون الخمسين، ربما، فرصة عيش ثانية. الدوسري تقلّب بين الفرص، انتزعها بشغف مَن ينهش الحياة بجوارحه كلّها، ثم يذهب. حزينٌ صباح الغياب. الدوسري وسط السكينة، للمرة الأولى ربما.

*نقلا عن صحيفة "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.