.
.
.
.

جزيرة الحواجز الخرسانية.. الزمالك سابقاً

ضحى الزهيري

نشر في: آخر تحديث:

يشهد حي الزمالك بالقاهرة منذ أيام تحركات أمنية غريبة على سكان الحي الراقي. حواجز تقام، أسوار تهدم وخرسانات تحل محلها سياجات حديدية، كاميرات مراقبة، وسيارات أمن تجوب شوارع الزمالك ليل نهار مطلقة "سارينة" الطوارئ.

هل هذه الإجراءات لحماية السكان؟

الإجابة: لا

هي لحماية الأجانب ورواد وموظفي السفارات والقنصليات والمراكز الثقافية الأجنبية المتواجدة في المنطقة؟

حي الزمالك يعتبر من أصغر أحياء القاهرة من حيث المساحة. ومن حيث البنية الاجتماعية والسكانية هو من أعرقها، فقد كان مجمعا سكنيا للأثرياء والمشاهير والأجانب، ويقال إن جزيرة الزمالك كانت سكناً لحاشية وحرس محمد علي باشا، والي مصر ومؤسس الدولة الحديثة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وقد برزت أرستقراطية الحي العريق مع اختيار كبار رجال الدولة العيش فيه وتفضيله عن باقي الأحياء السكنية الراقية.

لكن حال الزمالك الآن اختلف، فقد اختفت الفيلات وحلت محلها أبراج سكنية لاستيعاب الزيادة السكانية، وأصبح يقطن فيها من تبقى من الطبقة الأرستقراطية والطبقة المتوسطة، والشارع الضيق الذي كان مخصصا لفيلات أنيقة بحدائق أصبح الآن مضطراً أن يستوعب سيارات كل من في هذه الأبراج السكنية التي حلت محل الفيلات. كما تستقر في الزمالك عدة سفارات وقنصليات ومراكز ثقافية، وبها أيضاً الكثير من المدارس الحكومية والخاصة لكل المراحل التعليمية وبعض المعاهد، وكليتي التربية الموسيقية والفنون الجميلة، إلى جانب مكتب وزير الثقافة وعدد من الهيئات التابعة للوزارة، وعدد من مقار الشركات الكبرى، والفنادق والمتنزهات والنوادي والكنائس.

بطبيعة هذا الحال أصبح الحي الصغير من أكثر الأحياء ازدحاماً، خاصة في أوقات الذروة الممتدة أغلب اليوم، ما يجعل سائقي سيارات التاكسي لا يفضلون دخول الحي المزدحم بطبيعته، وسط شوارع ضيقة بطبيعة المساحة المحكومة جغرافياً بمياه النيل من كافة الاتجاهات، ورغم هذا الحال الصعب بدأت الجدران الخرسانية تظهر في محيط السفارات الأجنبية، لتقف هذه الحواجز أمام المارة والمرور الطبيعي لتزيد الضيق ضيقاً وتعيد التذكير بمأساة سكان حي جاردن سيتي في وسط القاهرة مع الحواجز الخرسانية التي أغلقت أغلب الشوارع لحماية السفارات الأجنبية.

أحد هذه الشوارع الضيقة في الزمالك، والذي يضم وحده ثلاث مدارس إلى جانب معهد ثقافي تابع لسفارة أجنبية، فوجئ سكانه في عطلة نهاية الأسبوع الماضية بأسوار خرسانية قسمت الشارع الضيق في الأساس إلى قسمين؛ قسم انضم إلى المعهد الثقافي الأجنبي، وكأنه أصبح جزءاً من أرض هذا المعهد، والقسم الآخر تُرك والحمد لله (ونشكر وزارة الداخلية ووزارة الخارجية وكل الجهات المعنية) للمارة من الأشخاص والسيارات.

سينتهي الصيف قريباً وستعود المدارس للعمل في هذا الشارع وكل شوارع الزمالك وستصاب كل جزيرة الزمالك بالشلل المروري وأغلب أتوبيسات المدارس لن تسطيع دخول الشارع أصلا. ناهيك عن خطورة ذلك في حال حدوث حريق أو أي طارئ لا قدر الله، فى ظل هذه الحواجز التي تجعل من المستحيل أن تستطيع سيارة إطفاء أو سيارة إسعاف أن تدخل هذا الشارع، وهو الهاجس الذي يشغلني وكل سكان المنطقة منذ رأينا هذه الحواجز الخرسانية.

البلد الذي تتزين مداخله بالآية الكريمة "ادخلوها بسلام آمنين" يبدو أن هذا الاستقبال مخصص للأجانب فقط، فيما يحرم المصريون من هذا الأمن أمام أخطار تتهددهم، تتجاوز العمليات الإرهابية المحتملة التي قد تستهدف السفارات كما جرى مع تفجير القنصلية الإيطالية بوسط القاهرة.

لست ضد تأمين كل شخص على أرض مصر سواء كان مصريا أو غير مصري، لكن ما يحدث في منطقة الزمالك منذ أيام لا يراعي الخصوصية الجغرافية للمنطقة ويزيد الأعباء على السكان، وسط إجراءات أمنية تستسهل بناء الحواجز في الشوارع، رغم إمكانية تأمين الجزيرة كلها عبر مداخلها المحدودة من خلال كمائن ذكية وفعالة.

لم ينجح الإرهاب في أن يمنع الحياة في مصر، أو يعيق المصريين عن ممارستها بشكل طبيعي جداً، لكن الواضح أن الإجراءات الأمنية هي التي ستمنع المصريين خاصة من سكان حي الزمالك الحيوي والمفعم بالنشاط من الحياة بالشكل الطبيعي الذي يليق بمواطنين مصريين.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.