الكتاب الأميركي الذي اقترح قبل سبع سنوات تحالفاً أميركيّاً إيرانيّاً
السيدة التي نصحتني بقراءة هذا الكتاب(■) بعد توقيع الاتفاق الإيراني النووي مع الدول الست الكبرى هي سيدة إيرانية غادرت طهران في مطلع شبابها بعد فترة من قيام النظام الديني الجديد عام 1979. وهي منذ سنوات طويلة تعيش مع زوجها وولديها في باريس وتعمل استاذة للحقوق برتبة بروفسور في النظام التعليمي الفرنسي في إحدى الجامعات الفرنسية.
هذه السيدة المثقفة، وهي زوجة أحد أقربائي، كانت مؤيِّدة للانتفاضة الشبابية المعارضة للنظام التي قادها رمزان سابقان من رموزه مير حسين موسوي ومهدي كرّوبي عام 2009 والتي كتبتُ مرة عنها أن "الربيع العربي" بدأ في طهران بسبب حصول "ربيع طهران" المشار إليه قبل أن يبدأ من تونس عام 2010. تقول السيدة أنها كانت متحمِّسةً لانتفاضة 2009 وما سُمِّي "الثورة الخضراء" يومها لكنها تعترف الآن أنه كان يُراد في الغرب من تحريك تلك الثورة تحويل إيران إلى نسخة من التفتّت والفوضى اللذين سيحصلان لاحقاً في العالم العربي ونرى آثارهما المدمِّرة اليوم وهي نادمة على موقفها السابق ومؤيدة بكل قوة للاتفاق النووي. هي نفسها اقترحت عليّ أن أقرأ كتاب روبرت باير العضو العامل السابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية تحت عنوان: "الشيطان الذي نعرف - التعامل مع القوة العظمى الإيرانية الجديدة".
أحد عناصر قوة هذا الكتاب أنه صدر عام 2008 أي في ذروة الصراع الإيراني الأميركي والتشويق لقراءته ناتجٌ عن كونه يقترح على صانعي القرار في واشنطن أن يعقدوا اتفاقا استراتيجيا مع إيران لأنها، بحسب رأيه، أصبحت "الدولة الوحيدة" القادرة على أن تُخرِج الولايات المتحدة من المآزق الصعبة التي تتورط فيها في الشرق الأوسط وتحمي بالتالي مصالحها مع أنها الدولة ذاتها التي نجحت في خلق هذه المشاكل على مدى أكثر من ثلاثة عقود. كان ذلك قبل سبع سنوات ولم يكن أحد ليفكّر في احتمال اتفاق من هذا النوع، لذلك اخترت قراءته وتقديمه لقراء "النهار" سعيا وراء التدقيق بمدى قوة وعمق الرؤية والمعرفة الحاضرتين فيه أو ضعفهما؟ وهل يصلح لفهم الخيار الأميركي المستجد وحدوده وأبعاده الإستراتيجية؟
الكتاب ينتقل من فصل إلى فصل محاولا شرح لماذ وكيف نجحت خطط "الشيطان" الإيراني المتعاقبة في تحقيق سيطرتها هنا ونفوذها هناك في العراق وكردستان ولبنان وسوريا وغزة وأفغانستان وكيف بنت "امبراطورية" فعلية للمرة الأولى منذ قرون.
أَختلِفُ مع الكاتب في استخدام كلمة "امبراطورية" أو "قوة عظمى" لوصف الحالة الإيرانية الراهنة من حيث أن هذين التعبيرَيْن مبالغٌ بهما قياساً إلى معنى القوة العظمى أو الأمبراطورية الفعلية في عالم اليوم، وهي معانٍ لا تختصرها لا القوة العسكرية ولا الأيديولوجية ولا الثروة النفطية، لكن القارئ لا يمكنه إلا الموافقة على الصورة الإجمالية التي يقدِّمها الكتاب لتقدّم النفوذ الإيراني غير المسبوق والقوي في المنطقة بل المناطق المحيطة.
الكاتب وهو يدعو من دون مواربة وبوضوح قبل سبع سنوات إلى ضرورة اختيار أميركا لتفاهم بل حتى لتحالف مع إيران يفتتح حقبة جديدة في الشرق الأوسط فهو في الوقت نفسه يدعم دعوته منذ الحرف الأول برصد النظام الإيراني باعتباره شيطانا خطيرا خطط للسيطرة على المنطقة عبر ثورات وحروب وعرف كيف يستفيد من الصراع مع إسرائيل عبر "حزب الله" ومن الغزوات الأميركية في أفغانستان والعراق ومن موقع الأكراد السُنة في العراق وتركيا وموقع "حماس" في غزة ناهيك عن استثماره الناجح الدائم لشيعة العالم العربي وأفغانستان وباكستان.
في أحد الأفكار الأساسية التي ترد في الكتاب "يعلن" المؤلف أن سايكس بيكو أظهر أنه "كارثة لا مثيل لها" ولا معنى للاحتفاظ به طالما أنه لم يوضع إلا لأهداف كولونيالية وليس لمصلحة الناس التي تعيش فيه. كُتِب هذا الكلام قبل أكثر من سنتين على بدء "الربيع العربي" الذي سيصبح الشتاء العربي وقبل أكثر من ثلاث سنوات على بدء تفتّت سوريا السايكس بيكوية بشكل واضح ناهيك عن الانهيارين الليبي واليمني واستمرار الانهيار العراقي؟
المثير في الكتاب أنه يرصد ويحلل إيران والقوى التي ساهمت بصنعها بمزيج من التصنيف الشيطاني والإعجاب الشديد بالكفاءة يدمجهما الكاتب المطّلع من دون أي فصل وبحيث يحار القارئ قبل أن يصل روبرت باير إلى خلاصاته في الفصول الأخيرة لصالح مَنْ هذه الكتابة: لصالح أعداء إيران أم لصالح أصدقائها؟ لكنه من دون شك يحوّل هذا الدمج، التوصيف الشيطاني للنظام الإيراني والإعجاب بنجاح أساليبه بل بالشخصية الإيرانية "الزرادشتية"، إلى العنصر الأقوى في قدرة الكتاب الإقناعية أو في فرض وجهة نظره كوجهة نظر واقعية؟
قبل أن ننتقل إلى النقاط التي يقترحها لتغيير في خرائط الشرق الأوسط السايكس بيكوي لنعرض بعض الآراء والمعلومات في الكتاب.
العرب، في رأيه، ازدواجيون كالإيرانيين لكنهم، أي العرب، يفتقدون إلى الروحية والفكر العميقين اللذيْن لدى الإيرانيين؟ ذكّرني هذا الرأي بما فاجأني بقوله لي مرةً السيد محمد حسين فضل الله وكان في ذروة علاقته بطهران في الثمانينات: تجلس مع العربي ربع ساعة فتعرف ملامح شخصيته وتعيش مع الإيراني ربع قرن فلا تعرفه! فالإسلام الإيراني كما كتب روبرت باير إسلام "زرادشتي" بمعنى ما.
يكتب روبرت باير هذا الكتاب بمضمون ورقة سياسية أو "علاجية" كما يقول الأكاديميون وخصوصا الأميركيين، يحاول أن يٌقنِع فيها صانع القرار في واشنطن عام 2008، وكانت الولاية الأولى لرئاسة باراك أوباما قد بدأت، بالأسباب الضرورية لتفاهم مع إيران، وفي الكثير من المواضع يخاطب صانع القرار والأميركي العادي معا باعتباره أن المشكلة الجوهرية ليست ضرورة إيران "لنا" كأميركيين فهم الآن بعد طول مسار اعتراضي يحاولون أن يقدموا أنفسهم كقوة كبيرة مسؤولة؟ المشكلة الجوهرية هي هل نستطيع (كأميركيين) الثقة بالإيرانيين مع التسليم بضرورتهم؟
لنتذكّر في الدلالة على استشرافية هذا الكتاب كم ركّز جميع المفاوضين الأميركيين وفي مقدمهم الرئيس أوباما هذا العام 2015 في مخاطبتهم لمعارضي الاتفاق النووي أن واشنطن والدول الكبرى لا تعتمد على الثقة بطهران وإنما على الإجراءات الفعالة الاستثنائية للتأكد من انضباط طهران ببنود الاتفاق. لكن ما يلفت النظر في المقابلة الثانية التي أجراها أوباما مع توماس فريدمان في "النيويورك تايمز" بعد التوقيع النهائي في تموز المنصرم ملاحظة هامة جدا أدلى بها هي قوله أن المفاوضين الإيرانيّين استغرقوا وقتا طويلا في التدقيق بكل كلمة في نص الاتفاق كما لو أنهم حريصون وراغبون بالانضباط بتطبيقه! هذه ملاحظة إيجابية تعكس من جهة الرئيس الأميركي نوعا من الترويج وبالتالي الثقة بالتزام الإيرانيين بالاتفاق.
الكتاب أكثر تنوّعاً من أن يُختَصَر في معلوماته وتحليلاته. لكن لا بد من بعض الإنتقاء لإعطاء فكرة أوسع:
لا يتردّد الكاتب في إيراد رقم بين ثلاثماية ألف إلى ستماية ألف برميل "تسطو" عليها إيران من نفط جنوب العراق ( رقم عام 2008) ويتهمها بأنها تخطط للسيطرة على كل النفط الجنوبْ عراقي، بما فيه مد أنبوب نقل من البصرة إلى مرفأ عبادان. وينقل عن مسؤول في شركة إكسون موبيل الأميركية قوله، طالباً عدم ذكر إسمه، أن المصالح النفطية الأميركية وقعت في الفخ الإيراني عندما طلب مسؤولون عراقيون أن تتصل الشركة بطهران لكي تتم صفقة استثمارها في عدد من الحقول النفطية العراقية. وكان ذلك رسالة إيرانية إلى الأميركيين أنه لا نفط عراقي بوجود العقوبات على إيران، في سياق سيوضحه الكاتب في فصل آخر أنه يأتي ضمن خطة لـِ"الأمبراطورية" للسيطرة على كل خطوط تجارة النفط والغاز في المنطقة.
في الفصل السادس يروي تقريرا عن رحلة قام بها مع اثنين من زملائه في وكالة المخابرات المركزية الأميركية، وكان لا يزال يعمل فيها، في أواسط التسعينات إلى "حزام أمني" كردي داخل الأراضي العراقية ليرى هناك عند المرتفعات الشاهقة لامتدادات جبال زاغروس عند الحدود مع إيران كيف تسيطر إيران على هذا الحزام الذي يشمل حاج عمران المعقل التاريخي للبرازانيين في كردستان العراق وكيف اجتمع في شومان مع قيادات كردية برئاسة أدهم البرازاني بينهم من يعتقد أنهم موفَدون من المخابرات الإيرانية. كان بطريقةٍ ما اتصالاً بين "السي آي إي" والأمن الإيراني وكيف لاحظ أن طهران تدعم الجماعات الكردية المتنافسة لصالح تحويلها الحزام الأمني إلى عنصر حماية من أي نشاط معارض في الداخل الإيراني. يصف أحد الأشخاص الذين قابلهم بأنه "يشبه عضو الحرس الثوري الذي قابله في بعلبك في لبنان قبل سنوات".
يسعى الكاتب إلى إثبات أن اللاعب الإيراني لا يطرح في أي مفاوضات ولم يطرح أي طلب استراتيجي ضد إسرائيل بل هو يدعو صانع القرار إلى حدود جديدة توافق مصالح إيران وإسرائيل. ولا يشدِّد هنا على دور تركيا معتبرا إيران الطرف "الامبراطوري" الجديد والأكيد.
هناك في الكتاب تركيز لافت على أهمية "حزب الله" في كل مسار الإنجازات الأمنية الإيرانية مع اهتمام خاص بشخصيتي عماد مغنية وحسن نصرالله، تشمل زيارة مناطق الحزب ومدارسه في جنوب لبنان.
بين المعلومات الغزيرة التي يخبرنا بها الكتاب أن الأوسيتيين، وأوسيتيا في قلب القوقاز الشمالي والتي أصبحت عمليا بكاملها تحت السيطرة الروسية منذ 2008، هم شعب ذو أغلبية دينية مسيحية أرثوذكسية وأقلية مسلمة لغتهم هي إيرانية أو من اللغات الإيرانية. على كل حال، بمراجعتي لـِ"غوغل"، أو عندما غَوْغَلْتُ هذه المعلومة كما أصبح يُقال، تبيّن لي أن هناك معلومات كثيرة معروفة عنها.
يقترح روبرت باير على واشنطن نقاط التفاهم التسع التالية مع إيران:
1- ضمان الأمن الداخلي الإيراني.
2- إشراك إيران في تنسيق عسكري في مياه الخليج عبر دوريات مشتركة على غرار ما كان يحصل في الحرب الباردة بين القوات الأميركية والسوفياتية وإيجاد خط ساخن للاتصال بين طهران و"بيننا" أي واشنطن.
3- تخفيف العقوبات عن إيران.
4- إعطاء إيران دورا أمنيا محددا في العراق وأفغانستان.
5- دعم القرار 242 حول انسحاب إسرائيل إلى حدود 5 حزيران 1967 ليكون لإيران دور في إلزام "حماس" و"الجهاد الإسلامي" بوقف العمليات العسكرية والتركيز على فصل إيران عن القضية الفلسطينية أي ما يعبِّر عنه بأنه سحب إيران من "بيزنس معاداة الصليبيين".
6- دمج "حزب الله" في الجيش اللبناني.
7- مشاركة إيران في إقصاء الحركات التكفيرية.
8- وضع السلاح النووي في الشرق الأوسط تحت رقابة دولية.
9- إنشاء هيئة دولية للتدقيق في إمدادات النفط ووضع سعر للنفط.
هذه أكثر من اقتراحات. إنها مشروع تحالف. فلنقارن باحتمالات اليوم. هو نفسه روبرت باير يعتبر أن أي اتفاق مع إيران هو أهم تحوُّل سياسي في التاريخ الحديث، دلالة هامة مثل رحلة الرئيس ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972.
كلام قبل 7 سنوات يختمه بالجزم: ..."ولا خيار آخر".
إلى هذا الحد إذن الموقف الجديد في المنطقة جديد وخطير. وعلينا نحن العرب أكثر من أي وقت آخر أن نبحث ونفكِّر لا عن موقعنا حيال ذلك، فحسب، بل عن مصيرنا السياسي فيه أيضاً. ولذلك أفضل شيء نفعله الآن هو أن نفتِّش عن مصادر جديدة أو قديمة جديدة... للقراءة!
* نقلا عن "النهار"