.
.
.
.

موسكو بوابة الحل السياسي السوري!

محمد رشيد

نشر في: آخر تحديث:

بعد إجتماعه مع الوزير سيرجي لافروف في موسكو ، تحدث رئيس الإئتلاف السوري خالد خوجا ، عن متغيرات الموقف الروسي من بعض عناصر الأزمة السورية ، لكن إستنتاجات السيد خوجا جاءت بنصف قديم ، و نصف أقدم ، و الحديث في مجمله تعبير عن قراءة غير منصفة بعض الشيء للموقف الروسي ، فموسكو لم تغير ، أو تتغير منذ إقرار مباديء جنيف الاولى لحل الأزمة السورية ، إنما الجديد اليوم ، هو قرار العرب و العالم الاستماع للشروحات الروسية ، و ذلك فصل بادر اليه بشجاعة الأمير محمد بن سلمان ، وفتح باب الإصغاء الجيد و الموضوعي للموقف الروسي ، في محاولة لتفكيك جمود الأزمة ، و حماية الشعب السوري من الاٍرهاب أي كان مصدره.

لم يحدث شيء ميدانيا ، يدفع موسكو ، أو يجبرها على التمسك ، أو التفريط بدور بشار الأسد ، فهي كانت ، و لا زالت تعتبر بشار الأسد من متطلبات المرحلة الانتقالية ، و هذا الكلام "الأقدم "قالته موسكو و كررته كثيرا ، لعشرات المسؤولين العرب و الدوليين ، و جوهره أن روسيا لا تقبل بفرض قراءة أحادية الجانب على مباديء جنيف الأولى ، كما إنها لا تريد فرض قراءتها هي للمبادىء ، فتلك مسؤولية السوريين وحدهم عبر حوار سوري سوري ، تقول موسكو إنها مستعدة لإستضافته و تسهيله ، و تعتبر انتقال الأمر الى حكومة سورية مفوضة ينهي الهيمنة ، و يقود الى تغيير متدرج و حتمي .

أما الشق القديم في حديث رئيس الائتلاف السوري ، فيتعلق بدعوة روسية "قديمة "لحشد كل الطاقات ، لبناء جبهة عسكرية سورية عربية دولية ، وظيفتها تطهير سوريا من فيالق الإرهاب الدولي ، و إعادة الإستقرار الى البلاد ، و تلك الدعوة أصبحت اكثر الحاحا اليوم ، بعد أن باتت "فيالق "الاٍرهاب تسيطر على أكثر من نصف مساحة سوريا ، و هي اليوم القوة الميدانية "الأعظم "، فكيف لأية سلطة أو حكومة سورية إنتقالية ، أن تحكم و تدير البلاد ، بوجود ذلك الجيش الجرار من الإرهابيين و المرتزقة !

إذن ، لا جديد او متغير روسي ، إنما الجديد هو قرار الجميع الإصغاء جيدا و دون تعنت مسبق ، بعد أن أضاءت الرياض الضوء الأخضر ، لتعاون سعودي روسي وثيق ، بحثا عن حل عادل و متوازن ، و مع ذلك يتهرب البعض من مواجهة الواقع المؤلم ، ليحتمي بأسباب و "جذور "الأزمة ، و يكتفي بتحميل كامل "الفاتورة "على حساب نظام ، يعرف الجميع حجم و فداحة إجرامه ، مع أن الإحتماء بأسباب الأزمة سلاح ذو حدين ، فليس كل شيء على الجانب الآخر من المشهد ، كان سليما و حكيما و عادلا !

فلا أحد يستطيع الادعاء ، بأن الثورة السورية لم تختطف مبكرا ، من يد فتيان و فتيات ثورة المواويل و الدبكة ، لتقطر الى شواطيء "الأسلمة "، و يفرض عليها التحول الى هوية "إسلامية "الطابع ، و قد تم ذلك بقوة المال حينا ، و قوة الجغرافيا أحيانا ، فنزعت عنها هويتها المدنية ، و قطعت عن جذورها الوطنية ، و قتلت تطلعاتها نحو الحرية و الديموقراطية ، من أجل "أسلمة "فاشلة و وهمية ، لا تعكس شيئا من تاريخ و إرث التنوع السوري ، و ذلك إنحراف لا يمكن تحميله لنظام بشار الأسد ، و المسؤول عنه هو من أستبد لإحداث عملية التبديل القسري لهوية الثورة ، تبديل أدى الى إحلال هيمنة فكر شمولي "إلهي "، بديلا نظام شمولي بشري ؟!

في سوريا اليوم أكثر من 30 ألف إرهابي و مرتزق أجنبي ، جذبتهم شعارات و دعوات "الأسلمة "و متغيرات الفوضى ، في اسوء و اخطر اعادة إنتاج لنموذج أفغانستان ، و بواقع أكثر توحشا و دموية ، و روسيا تعلم ذلك ، لأن يدها في النار ، ليس بسبب مصالحها المتعددة فحسب ، بل أيضا لوجود ثلاثة آلاف إرهابي روسي في سوريا ، و معظمهم حظي بتسهيلات تركية للزحف الى "الجهاد المقدس "، لأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تبنى منذ البداية عقيدة "أسلمة و أخونة "الثورة السورية .

أكثر من ذلك ، فقد أعتقد البعض و عمل ، من أجل أن تصبح الحرب السورية سلاحا لإضعاف روسيا استراتيجيا ، و إقصاءها نهائيا عن الشرق الأوسط و المتوسط ، معتقدين أن هزيمة بشار الأسد من شأنها ، و من بين أهدافها تحويل سوريا الى "مقبرة "للمصالح الروسية ، كما كانت أفغانستان "مقبرة "للجنود الروس ، و بعض قادة الإئتلاف السوري إنجروا الى مثل تلك الدعوات عن عمد أو بغير عمد ، مع أنهم كانوا يعرفون ما يجري في الواقع السوري ، فلم يكن النفوذ الروسي وحده ما ينحسر ، بل كانوا هم يفقدون قوتهم و وجودهم ، لصالح تنامي نفوذ ايران من جهة ، و نفوذ القاعدة و داعش من جهة اخرى ، فانتشر الاٍرهاب و اتسعت رقعة التوحش و الإجرام على حساب الجميع .

إعادة إستنساخ التجربة الأفغانية في سوريا غير كل شيء ، فلم تعد الأمور كما كان يراد لها أن تكون ، و النهايات ستكون حتما مختلفة عن الأمنيات ، فلا النظام سقط ، و لا الثورة أنتصرت حتى الآن ، و إن سقط النظام في اللحظة الراهنة ، في ظل ضعف المعارضة الوطنية ، إنما يسقط لصالح غزوة التتار الجدد ، من داعش و "نصرة "القاعدة ، أما بنو "الخلافة "و دعاة "السلطنة العثمانية "، فسينقلبون على رفاق الأمس ، و ينقلون البندقية من كتف الى كتف ، بحثا عن نصيبهم من "الكعكة "السورية المسمومة !

قد نكون اليوم أمام إرادة ، او حركيّة عربية و دولية جديدة ، لإخراج سوريا من حالة التأرجح ، بين إستحالة أو إنعدام الحسم ، و بين عبثية إستمرار الوضع الراهن ، و ليس من قبيل المبالغة القول ، أن موسكو لديها بعض أهم "مفاتيح "الحل السياسي السوري ، و بالتالي ليس هناك ما يمنع ، أو يحرم الدبلوماسية النشطة التي أنطلقت بإجتماع الوزراء جون كيري و سيرجي لافروف و عادل جبير ، ثم تبعتها زيارة وزير الخارجية السعودي الى موسكو ، بإنتظار ذروة دبلوماسية جديدة في زيارات عربية مرتقبة الى موسكو ، يقوم بها الرئيس عبدالفتاح السيسي و الملك سلمان بن عبد العزيز و ولي عهد ابو ظبي الشيخ محمد بن زايد .

اما موسكو فتقول انها تلعب و تحاور بأوراق مكشوفة ، و تعتقد أن الوضع لا يحتمل إبقاء سوريا معلقة ، بشروط و شروط مضادة ، و تقترح حوارا سوريا سوريا مباشرا و دون شروط مسبقة ، للخروج بترجمة موحدة لمباديء جنيف الأولى ، ترجمة تقود الى إتفاق حول حكومة موحدة و مفوضة ، لقيادة مرحلة إنتقالية ، من أجل توحيد و تعزيز القوات المسلحة السورية ، و مكافحة الاٍرهاب الدولي ، و تحقيق قدر من الإستقرار و إعادة البناء ، و قبل كل شيء تتولى مهام إقامة مؤسسات الدولة السورية وفقا لقواعد جديدة .

لكن، هنالك أيضا إجابات روسية غائبة ، و أسئلة جوهرية تسكت عنها موسكو ، و بدلا من الحديث ما بيننا حول الموقف الروسي ، ينبغي الشروع في إشتباك تفاوضي شامل و معمق مع موسكو ، فالحوار المكثف وحده الكفيل بتوضيح المواقف ، و ذلك ما تحاول الدبلوماسية السعودية فعله ، منذ إجتماع الأمير محمد بن سلمان ، مع الرئيس فلاديمير بوتن ، و هو أيضا ما دفع وزير الخارجية الامريكي جون كيري الى طلب عقد الإجتماع الثلاثي بإلحاح شديد ، فهناك إجابات و توضيحات كثيرة مطلوبة من موسكو ، من بينها مدى عمق إنتقال السلطة و مدتها الزمنية ، و جدية الضمانات الدولية الملزمة حولها ، و ايضا معرفة إستعداد موسكو للتوافق حول خطة B بديلة ، في حال فشل الحوار السوري السوري ، و الذي يجب أن يكون هو الآخر بسقف زمني ملزم .

قطعا هذا الوضع ليس أفضل ما كان للثورة السورية أن تصل اليه ، لكن أمام قادة الإئتلاف و المعارضة الوطنية فرصة العودة بقوة ، و لعب دور مركزي مباشر في رسم مستقبل سوريا ، و إعادة تحديد الأولويات ، و ذلك يتطلب تنازلات مؤلمة ، و لكن متبادلة و مؤقتة ، و جرعة سم الآن ، خير من ضياع وطن ، و موت شعب كل يوم.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.