.
.
.
.

والمطلب الثاني.. القضاء

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

لا يُمكن تفسير التصريح الذي أطلقه المتحدث الرسمي باسم السلطة القضائية القاضي عبد الستار البيرقدار برفع دعاوى على إعلاميين يبثون معلومات "غير صحيحة" عن السلطة القضائية، إلا بوصفه تحذيراً لسائر الإعلاميين ومؤسساتهم من "مغبة" ضبط ألحانهم على إيقاعات المتظاهرين في ساحات التحرير الذين يطالبون، في ما يطالبون، بالإصلاح السياسي ووضع حد للفساد الإداري والمالي الذي نهش اللحم وراح يضرب عميقاً في العظام.
تحذير القاضي البيرقدار جاء بعد أن بدأ الإعلام، المتردد سابقاً، بدخول منطقة السلطة القضائية تماشياً مع حركة المتظاهرين التي اقتحمت هذه المنطقة بقوة وراحت تطالب بإصلاح القضاء.. ولو لم تكن التجربة قد أوصلت الناس إلى القناعة بحاجة القضاء للإصلاح ما رفع أحد هذا الشعار في المظاهرات، وهو ما وجد صداه داخل مجلس النواب إذ ضمّن ورقته الإصلاحية بنداً خاصاً بإصلاح القضاء، بل إن صدى القناعة الشعبية بلزوم الإصلاح القضائي دقّ باب المرجعية الدينية في النجف لتطالب في خطبة الجمعة الأخيرة بصوت عال بألا تستثني عملية الإصلاح القضاء.
الإعلام مرآة مكانه وزمانه، ولم يكن من قواعد مهنة الإعلام ولا من أخلاقياتها أن يُغمض المشتغلون فيها أعينهم ويصموا آذانهم فيمسكوا ألسنتهم وأصابعهم ويكسروا معداتهم لأن القاضي البيرقدار وزملاء له في مجلس القضاء الأعلى لا يعجبهم هذا. بل إن بعض الإعلام كان قد سبق حركة المظاهرات في تناول بعض جوانب الخلل والقصور في نظامنا القضائي.
كلام القاضي البيرقدار يؤكد الحاجة للإصلاح القضائي. القضاء سلطة مستقلة، مثله مثل السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، نعم، لكنه مثل هاتين السلطتين أيضاً ليس سلطة مقدّسة فوق الشبهات ولا تخضع للرقابة والنقد.
الأخطاء والانحرافات في القضاء ظاهرة عالمية - تاريخية، فعلى مدى التاريخ البشري وباتساع المعمورة كانت ثمة أخطاء وخطايا للقضاء والقضاة حتى في البلدان المتقدمة.. القضاة بشر، وما من بشر منزّه من الخطأ.
تجربة السنين الإثنتي عشرة الماضية شهدت العديد من الحالات التي كان فيها القضاء ومجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية موضع نقد واتهام بالخروج عن الاستقلالية والحياد والنزاهة في اتخاذ الأحكام، وبالخضوع للضغوط السياسية.
لا يمكننا بناء النظام الديمقراطي المدني الذي نصّ عليه دستورنا من دون قضاء قوي ورصين. قوة القضاء ورصانته في استقلاله وحياده وعدله ونزاهته. مسيرتنا نحو النظام الديمقراطي قد تعثرت كثيراً خلال السنين الماضية، ما أنشأ الحاجة إلى الإصلاح الذي تطالب به حركة المظاهرات الآن وتبنّته السلطتان التنفيذية والتشريعية سواء بسواء، بيد أن هذا الإصلاح من غير الممكن تحقيقه وضمان ثباته من دون إصلاح في السلطة القضائية.
المتظاهرون أظهروا وعياً عالياً بربطهم بين الإصلاح السياسي والإداري والمالي والإصلاح القضائي، وبجعلهم إصلاح القضاء مطلبهم الثاني بعد، أو بموازاة، مطلب تعديل الدستور الذي هو المدخل الى الإصلاح السياسي والإداري والمالي... هذا هو الكلام المفيد.

*نقلاً عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.