لماذا هاجم ترامب السعودية؟!
سحب المرشح الجمهوري الملياردير دونالد ترامب كل الأوكسجين من منافسيه في ذات الحزب وتركهم يلهثون خلفه. خبرة جيب بوش كحاكم سابق، ومهارة ماركو ربيو الجدلية لم تنفعهما أمام هدير ردوده. في جولة المناظرة الأولى التي جمعت مرشحي الحزب، كان ترامب نجم المناظرة الأولى. المشاهدون أرادوا الضحك على ما يقوله، وأهل الصحافة بحثوا عن العناوين المثيرة، وهو مهووس بالشهرة وخلق أي فرقعة تجذب الانتباه له. فبعد أن صب غضبه على الصين بحجة انعدام المنافسة العادلة، وهاجم المكسيك بعذر سرقة الوظائف من الأميركيين وتصدير المجرمين، هاجم مؤخرا السعودية بحجة غريبة تقول إن عليها أن تدفع المال لأميركا نظير الخدمات التي قدمتها لها طيلة السنوات الماضية!
حجة غير معقولة، ولكن ترامب يعرف أن يضغط الأزرار التي تثير الجماهير. فالصين باتت قضية وطنية حساسة لبعض الأميركيين، وهناك أشخاص كثر غاضبون من الغزو المكسيكي العابر للحدود، ومزيج السعودية والنفط والمال سيخلق ضجيجا إعلاميا لافتا. هذه الحفلة لن تستمر طويلا، فترامب سيخرج من السباق الانتخابي وهو يدرك ذلك، فهدفه ليس الوصول للبيت الأبيض، ولكن زيادة مداخيله وتوسيع حجم استثماراته وعقاراته. الحملات الانتخابية بالنسبة له كبرنامجه التلفزيوني الشهير ستنفخ في اسمه وتحوله إلى نجم جماهيري، ما سيزيد من أسعار عقوده والقاصدين فنادقه. ترامب هو الوجهة الأخرى الرجولية لسارة بالين. بالين جعلت من السباق الانتخابي شيكا بقيمة ملايين الدولارات من العقود الإعلانية والتلفزيونية.
الحقيقة أن قصة ترامب تحمل أبعادا أكثر مما تبدو عليه، ويحذر البعض أنها قد تضرب قلب التقاليد الأميركية السياسية، وتضعف قوتها عالميا. في وقت سابق لم يكن لأي جمهوري أن يترشح بدون مباركة كبار وعقلاء الحزب. لو كانت هذه التقاليد موجودة اليوم لطرد ترامب من الباب، ولكن المعادلة تبدلت تماما. أمام صعود قوة المال والدعاية والإعلام على أنواعه، تآكلت قوة الحزب كقوة مؤثرة. بإمكان أي رجل أعمال أن يرشح نفسه للانتخابات معتمدا على ماله وتبرعات داعميه. هذا الانهيار جرف معه حتى كبار الجمهوريين الكلاسيكيين، مثل جون ماكين الذي حاول استغلال نجومية بالين لصد زحف نجومية أوباما، حينما فشل عيّره خصومه كديك تشيني بأنه يفتقد المسؤولية ليكون رئيسا لأميركا.
وبسبب هذا الوضع تهشم الحزب الجمهوري لأقسام عدة. قسم شيوخ الحزب الذين يحتفظون بقيمه الأصلية التي تؤمن بأهمية الدور الأميركي الاستثنائي للمحافظة على النظام الدولي الليبرالي الذي ورثته من الإمبراطورية البريطانية، وقسم شبابي آخر يمثله شخصيات كتيد كروز ولد في السنوات الأخيرة كردة فعل على هزائم الحزب الرئاسية، وهو عمليا لا يختلف عن النهج الأوبامي المؤمن بفكرة التراجع والتخلي عن الحلفاء والقانع بتوازن القوى الصاعدة لحفظ التوازن الدولي، إضافة إلى قسم ترامب والغوغائيين أمثاله الذين يثيرون الضجيج ويهاجمون دولا وحكومات لأهداف استثمارية.
من المؤكد أن ترامب سيخرج من المسرح بعد أن يمتص كل فرصة للجماهيرية، ولكن لا أحد يعرف ما يمكن أن يحمله المستقبل. من المؤكد أن صعود شخصيات هوجاء في بلد بحجم الولايات المتحدة سيكون له تداعيات كبيرة. بعض المحللين يقول لا حاجة لنا في الانتظار لنشهد ما أسفر عنه صعود مثل هذا النمط من الشخصيات، فأوباما رغم هدوئه وعذوبة لسانه شخصية مغرورة ومعتدة بآرائها رغم افتقادها الخبرة والتجربة، إضافة إلى كونه أول رئيس أميركي استغل قوة الفيسبوك والانستغرام وثورة الشباب للصعود السريع، ولهذا السبب تحديدا نشهد تراجع النفوذ الأميركي الذين رأينا أعراضه في أماكن بعيدة جدا كمجازر الأسد وداعش.