كيف وصلنا لجيل "السيلفي"؟

ممدوح المهيني
ممدوح المهيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

البشر اليوم ينقسمون إلى قسمين. قسم يصور سيلفي في كل مكان وآخر مغتاظ منه, ويتهمه بالنرجسية والهوس. ولكن بعيدا عن هذه الانطباعات والأحقاد الشخصية بين الفريقين التي تصاعدت مع كل موجة جديدة - آخرها تصوير كل شيء بحياتك عبر "سناب شات" - فإن هناك أسبابا تجعلنا نفهم جزئيا الظروف التي أدت إلى ولادة عصر السيلفي، وربما توقع ما هو قادم.

وبالطبع فإن المقصود بمهووسي السيلفي ليس أولئك فقط الذين نراهم في الشوارع والمطاعم رافعين هواتفهم لالتقاط الصور المناسبة، ولكن أصحاب الأنا المتضخمة والمعتدون بجودة وتميز كل ما يقدمونه. النماذج عديدة ونراها كل يوم, الفنان الذي يدرك الجميع رداءة صوته إلا هو يؤمن أنه شخصيا هبة من الله، والعدد الضخم من مؤلفي الكتب متواضعة المستوى بصورهم المطبوعة على أغلفتها، وحتى بعض مشاهير اليوتيوب الذين لا يتوقفون عن تحميل مقاطع تتهكم بالآخرين والقائمة طويلة.

نشأت هذه العقلية المعتدة بذاتها كردة فعل على عقليات الأجيال السابقة التي تلقت تربية متفاوتة. جيل الآباء نفسه تعرض لتربية قاسية كان الأب فيها كملك مهيب لا يتحدث أحد بحضوره، إضافة إلى اعتبار الضرب الجسدي عملية مقبولة كعقاب رادع. مع الوقت تناقصت سطوة الأب واكتشف الجيل اللاحق بشاعة ضرب الأطفال، ولكنه لم يغرق الأبناء بالمديح. مع الأجيال الصاعدة من الآباء انقلبت المعادلة تماما. الأبوان يغمران أبنائهم ليس فقط بالحب المطلوب, ولكن بالدلال المخادع, وتضخيم مهارات الطفل (حتى لا يتم جرحه عاطفيا كما يبررون)، فنشأت شخصيات مزهوة بذاتها, وتبالغ في مستوى ذكائها, وتعتقد أن العالم متمحور حولها ومدين لها. من القمع إلى المبالغة في المديح تحولنا من شخصيات مكبلة ولكن معتدلة إلى شخصيات منطلقة ولكن مغرورة.

ليس فقط التربية ولكن الخطاب الثقافي في المجتمع. في السابق كان الخطاب يسيطر عليه المحذرون من المبالغة في الطموح, والمرددون للمثل الشهير" مد رجولك على قد لحافك", والدعاة المكتئبين الذين يرددون أن الدنيا فانية، أما الآن فالساحة تغص بدعاة الإيجابية ورواد البرمجة العصبية الذين يخبرونك بأن بإمكانك أن تصبح مليونيرا إذا اتبعت ست خطوات. النهج القديم قلم من الطموح والأسلوب الثاني نفخه أكثر مما يجب. كراهية الذات وقمعها مسألة مضرة لأنها تعدم الطاقات في مهدها, ولكن أيضا المبالغة في التضخيم، أنشأت أجيالا بات يطلق عليها " me me me"، التي لا تتعرف بجملة " لا أعرف"، فهي ولدت عارفة لأن "البابا والماما" أخبراها بذلك.

التقنية ساهمت في الدفع في خلق الشخصيات الجديدة. حدث ذلك على ثلاث مستويات. الأول, أن كل شخص تحول إلى منصة إعلامية متنقلة بسبب "الهواتف المحمولة" التي يملكها, وحساباته على توتير وإنستغرام وفيسبوك. زادت من هذه الأدوات من قوته وثقته بنفسه, وأصبح بإمكانه أن يسقط وزراء ورؤساء من عروشهم.

الثاني, عصر النجومية السريعة والثراء السريع الذي نعيش فيه جعل الكثيرين يلهثون لزيادة عدد الجماهير. في السابق كان المشاهير يختلفون ويتنافسون على عدد الجماهير, اليوم أصبح الناس العاديين يقيمون حفلات مع كل زيادة لعدد المتابعين على توتير. جربوا لذة الشهرة فأندموا عليها. الثالث، التحول الاقتصادي الكبير من قوة الحكومات إلى الشركات العابرة للقارات ثم الأفراد. في السابق كان الحديث عن الشركات العملاقة, الآن نتحدث عن الأفراد العمالقة كستيف جوبز وبيل غيتس.

عزز ذلك من طموح الفرد بشكل غير مسبوق، وبإمكان كل شخص أن يخترع تطبيق كـ"واتساب" ويبيعه بملايين الدولارات.

كل المؤشرات المستقبلية تقول بفوز كاسح للقسم الأول وهزيمة الثاني, إلا إذا حصلت معجزة غير متوقعة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط