.
.
.
.

لماذا لا يشارك الإخوان في الانتخابات البرلمانية المقبلة؟

مكرم محمد أحمد

نشر في: آخر تحديث:

تتضارب الآراء حول طبيعة تشكيل المجلس النيابى الجديد الذى أصبح شبه مؤكد أن يتم انتخابه ويبدأ أعماله قبل بداية عام 2016، لتعود الأمور إلى نصابها الدستورى الصحيح، وينهض البرلمان الجديد بمهمة الرقابة على أعمال الحكومة، كما ينهض بمهامه التشريعية التى يقوم بها الآن الرئيس عبدالفتاح السيسى فى غيبة المجلس النيابى، ويكتمل بذلك الاستحقاق الدستورى الأخير من خارطة الطريق، وصولاً إلى دولة مدنية قانونية ديمقراطية، حدد الشعب المصرى أهدافها الثلاثة بوضوح شديد فى الحرية والكرامة والعيش الكريم.

ويكاد الإجماع الوطنى ينعقد حول عدد من المواصفات الأساسية التى حددها الدستور تشكل ملامح الدولة الجديدة، تتمثل فى سيادة حكم القانون، وتماثل حقوق المواطنة لجميع المواطنين دون تمييز بسبب الجنس أو اللون أو الدين، واحترام حقوق الإنسان، بما فى ذلك حقه فى المعرفة والعمل والتنقل، والحفاظ على حريات الرأى والتعبير والبحث العلمى والإبداع، والعمل على قيام نظام اقتصادى عادل، يلتزم التوفيق بين حرية التجارة وتوسيع مشاركة القطاع الخاص فى مشروعات التنمية دون سقف أو حدود وتحقيق العدل الاجتماعى، والارتقاء بخدمات الصحة والتعليم والإسكان، وتوفير فرص العمل لما يقرب من مليون مصرى يدخلون سوق العمل كل عام، وتصحيح المسار الاقتصادى بما يُقلص عجز الموازنة، ويوازن بين الدخل والإنفاق، ويحقق معدلات تنمية سنوية تتجاوز 7 فى المائة للخلاص من الفقر وتحسين جودة حياة كل فئات المجتمع المصرى.

وثمة ما يؤكد أن الانتخابات البرلمانية المقبلة سوف تكون نزيهة تجرى تحت إشراف قضائى كامل، وفى ظل رقابة وطنية ودولية تؤكد سلامتها، كما أنها سوف تكون بإذن الله آمنة لن تستطيع تهديدات جماعات الإرهاب تعكير صفوها ليقظة قوات الجيش والشرطة، التى يثق المصريون، من خلال تجارب عديدة آخرها ذكرى فض اعتصامى رابعة والنهضة، فى قدرتهما على ضبط الأمن وإفساد خطط جماعات الإرهاب، وضمان وصول الناخبين إلى مقارهم الانتخابية آمنين.. وربما تشهد الانتخابات بعض أعمال العنف المحدود فى صعيد مصر بسبب تنافس العصبيات القبلية والعائلية التى يمكن أن يركب موجتها بعض من بقايا الحزب الوطنى دون رموزه المعروفة.

وباستثناء جماعة الإخوان المسلمين التى سوف تأخذ فى الأغلب موقف المقاطعة، سوف تشارك كل القوى السياسية والحزبية فى الانتخابات، ومن المؤكد أن المرأة المصرية التى أصبحت منذ ثورة يناير عنصراً فاعلاً فى المشهد السياسى سوف تشارك بنسب عالية، لأن أغلبية نساء مصر يساندن الحكم الراهن ثقة وحباً فى الرئيس السيسى، وأظن أن حضور أقباط مصر إلى صناديق الانتخابات سوف يكون قوياً لأسباب عديدة، أهمها أن الكنيسة الوطنية تحت رعاية البابا تواضروس تؤمن بأن مصر الآن على الطريق الصحيح، ومن الضرورى مساندة الحكم فى حربه على الإرهاب الذى عانى الأقباط طويلاً من تعصّب جماعاته، الذى وصل إلى حد اعتبار الأقباط رهائن، لضرب الوحدة الوطنية وتقويض الثقة فى قدرة الدولة على حماية مواطنيها!

ومع ذلك ثمة مخاوف جديرة بالاحترام بأن يهبط حضور الناخبين إلى نسب غير عالية دون الخمسين فى المائة، لغياب المنافسة القوية بين المرشحين التى تشعل حماس الناخبين، فضلاً عما يعتور الساحة السياسية من خلط شديد يصعب معه التمييز بين المؤيدين والمعارضين، خاصة أن الحكم لا يملك ظهيراً سياسياً واضحاً ومحدد المعالم يتمثل فى حزب أو جماعة ترسم خطاً فاصلاً بين المؤيدين والمعارضين، مفضلاً أن يطفو على موجة تأييد شعبى واسع.

وإذا صح هذا التوقع وقلت نسبة الحضور عن 50 بالمائة، فربما يزداد الوزن النسبى للسلفيين ليصبحوا قوة أساسية فى الانتخابات البرلمانية المقبلة إلى جوار العصبيات الأسرية والقبلية، خاصة مع ضعف الحركة الحزبية وتفاقم مشكلاتها الداخلية وانقسام صفوفها وغياب قدرتها على جذب الأجيال الجديدة، إضافة إلى أمراض أخرى عديدة طالت غالبية الأحزاب المدنية، بما فى ذلك حزب الوفد الذى يعانى من انقسامات شديدة، وحزب الدستور الذى يصر مجلس حكمائه على استبعاد رئيسة الحزب.. ومع الأسف هذا هو حال معظم الأحزاب المصرية المدنية، باستثناء حزب الأحرار الديمقراطيين الذى بقى محافظاً على وحدته، يملك قوة دفع مستمر، تجعله رغم حداثته الأكثر قدرة على الساحة السياسية، وربما يفوق تأثيره فى الانتخابات البرلمانية المقبلة حزب الوفد الذى يتهمه بمحاولة شراء نوابه!

وأظن أن زيادة الوزن النسبى للسلفيين الذين تعتبرهم معظم القوى المدنية حزباً دينياً يتناقض وجوده مع الدستور يرتب نتائج غير مريحة على عملية التشريع، بسبب آراء وفتاوى الحزب السلفى التى يخاصم معظمها قيم الحداثة والتطور والعلم، إن أصبح السلفيون الكتلة الأكبر فى البرلمان المقبل وأظهروا وجههم الحقيقى، ولم يعودوا فى حاجة إلى حملتهم الشعواء على جماعة الإخوان المسلمين التى يعتبرونها الآن أضمن الوسائل وأقواها، للحصول على الشرعية.

وما من شك أن إجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة على قاعدة 80 فى المائة من مقاعد المجلس للانتخابات الفردية و20 فى المائة للقوائم الحزبية، فضلاً عن أنه يمثل النظام الانتخابى الأقرب إلى مزاج المصريين الذين لا يتحمّسون للانتماء الحزبى يمكن أن يخفّف بعضاً من هذه المخاوف، إن نجحت هيئة الناخبين فى اختيار أصوات مستقلة رشيدة، جديدة وطازجة، تنتصر لحركة التقدّم والتحديث مع كثرة المرشحين فى الأقاليم الذين ينتمون إلى مجتمعات مهنية. المحامون والأطباء والمهندسون والمدرسون، إلى جانب قوى العمال والفلاحين، بما يخفف من وطأة التيار السلفى على عملية التشريع، ويقلل من سطوته على مسيرة البرلمان المقبل وتوجهاته.. وإذا كانت كل هذه الاعتبارات تدخل فى دائرة الاحتمالات، فالأمر المؤكد أن جماعة الإخوان المسلمين لن يكون لها وجود مؤثر فى البرلمان المقبل، لأن الشعب المصرى بات يبغضها بعد أن عرف حقيقتها، لكن ثمة ما يشير أيضاً إلى أن حفنة من رجال الأعمال، رجال كل عصر، سوف تتمكن من الوصول إلى مقاعد البرلمان، بسبب إنفاقها الضخم الذى يمكن أن يؤثر على أصوات الناخبين، ومن واجب اللجنة العليا للانتخابات أن تكون أشد حسماً فى هذه القضية، تراقب الإنفاق بيقظة بالغة، لأن شراء أصوات الناخبين لا يقل وبالاً عن تزويرها.

وربما يسأل سائل، إن كان الشعب يلفظ بالفعل جماعة الإخوان المسلمين، فلماذا لا تشارك الجماعة فى الانتخابات المقبلة كى تكون الانتخابات القول الفصل فى مصير الجماعة، تقطع جهيزة كل الذين يطالبون فى الخارج والداخل بإشراكها من جديد فى حياة مصر السياسية، وتقضى على دعاوى المظلومية التى تتاجر بها الجماعة؟!

وأعتقد أنه فى غيبة وجود قانون للعزل السياسى وعدم حماس الحكم لإصدار مثل هذا القانون، يحسّن الإبقاء على أبواب الترشيح فى الانتخابات المقبلة مفتوحة على مصاريعها، لا تستبعد أحداً دون حكم قضائى، ولا تغلق أبواب الترشيح إلا أمام الذين ارتكبوا جرائم ضد وطنهم وتحمل أيديهم آثار دماء مصرية.. وأياً كانت طبيعة البرلمان المقبل، فمن المهم بمكان أن تُجرى الانتخابات المقبلة تحت إشراف وطنى ودولى ضماناً لنزاهتها، لعلها تبرأ من إدمان التزوير وسوء السمعة الذى لصق بها وقتل مصداقيتها على المستويين الوطنى والدولى، ومن الضرورى أن يعرف الجميع أننا لا نزال فى سنة أولى ديمقراطية، وأن المجلس المقبل لن يكون أفضل المجالس أو أقواها، لأننا نحتاج إلى أكثر من مجلس وأكثر من انتخابات برلمانية نُصحح فيها أنفسنا أولاً بأول كى تكتمل الديمقراطية المصرية، وتصبح تعبيراً صادقاً عن الواقع الاجتماعى والسياسى لهذه الأمة، تملك معارضة قوية تشكل الرأى الآخر، يكتمل بوجودها نظام الحكم وتصح الديمقراطية.

ولا ضرر ولا ضرار إن لم تتحقق فى البرلمان المقبل كل الآمال، لأن الديمقراطية تملك القدرة المستمرة على تصحيح أخطائها، شريطة أن يُحسن الشعب التعلم من أخطائه.. وأظن أن هذه هى إحدى الميزات الكبرى الجديدة التى اكتسبها الشعب المصرى بعد ثورتى يناير ويونيو، عندما مكّن جماعة الإخوان المسلمين من اعتلاء عرش مصر فى انتخابات نزيهة لعل الجماعة تقدم نموذجاً جديداً للحكم أكثر رشداً، لكن المصريين أسقطوا حكم المرشد والجماعة بعد أقل من عام، فور أن اكتشفوا حقيقة جماعة الإخوان المسلمين، ولأن المصريين باتوا يملكون شجاعة تصحيح أخطائهم فهم الأقدر على صنع ديمقراطيتهم التى تحترم إرادة التغيير وترضخ لمطالب جموع الشعب، كما تقبل بصندوق الانتخابات إن توافرت فيه النزاهة والأمانة.

*نقلا عن صحيفة "الوطن" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.