.
.
.
.

انتصاران مُظفّران

بول شاوول

نشر في: آخر تحديث:

اعتقال أحمد الأسير انجاز للأمن العام يحسب له، لكن أيكون توازناً في ممارسة العدالة؟ لم نأسف على الأسير، فهو ظاهرة تشبه ظاهرة حزب الله وخلاياه وسراياه وعصاباته. الاثنان تجلّ لتجاوز الدولة والأعراف. لكن الميزان المتوازن في كفتيه، قد يكون في مكان آخر. ونظن ان هذا الخلل في تطبيق القانون هو الذي جعل حزب سليماني يبتهج «بخطوة» الأمن العام وليس العكس، ويحتفل بها، وكأنه يرفع ستاراً صفيقاً بين استكباره على كل ما يمت بالدولة وبجرائمه وانتهاكاته واستباحاته منذ 7 أيار، وحتى أحداث عبرا. انه انتصار «المافيا» على السلطة، واشارة للامعان في منهجه التعطيلي لمؤسسات الدولة من انتخابات الرئاسة، إلى المجلس النيابي، فإلى الحكومة.... فإلى القضاء. فما دام «فوق القانون» فكل الوسائل باتت مشروعة للاستغراق في بناء كانتونه ليكون ملجأ للمجرمين والقتلة وصناع الكبتاغون والأدوية المزورة واللحوم الفاسدة وتدخله غير الشرعي في سوريا واشتراكه الميداني في المجازر التي يرتكبها حليفة البعثي وربيبه الإيراني.

فرحة صاخبة، ضوضائية، رافقت اعتقال الأسير، رائع! ومن قال انها ليست فرحة اللبنانيين المتمسكين بشرعية الدولة؟ ومن قال ان أول المبتهجين لم يكن كاتب هذه السطور؟ ومن قال إنها ليست فرحة كل الذين نزلوا إلى الشوارع في 14 آذار ليسقطوا الوصاية السورية، وينحازوا إلى سيادة الدولة، والشعب والمجتمع المدني ويحتفلوا بالديموقراطية التي كانت مصادرة من طغاة البعث وإيران؟

لكن المصادفة الموضوعية أطّلت بهذا التزامن بين مجزرة دوما التي ارتكبها بشار الأسد ضد المدنيين، واعتقال أحمد الأسير. وكادت هذه المصادفة تكتمل بالذكرى الثانية لاستخدام الكيماوي ضد الشعب السوري. وما أسفر عن مقتل عشرات الأبرياء من أطفال وكهول ونساء. وهنا بالذات نتلمس لمس اليقين كيف يسلك إعلام حزب سليماني، وكيف يتصرف، وكيف يتجاهل المجزرة التي تضاف إلى مجازر سليماني والأسد في سوريا. ولا كلمة على صفحات صحافة الممانعة. ولا اشارة. تماماً كما حصل مع استعمال الأسلحة المحرمة. على العكس، راح بعض الاعلام المرتزق والكانتوني «ينفي» التهمة، ويردها إلى الضحايا! فكأنهم قصفوا هم أنفسهم بالكيماوي والكلور. أكثر: عندما تمّ توقيف المجرم سماحة لنقله الأسلحة لارتكاب مجازر في حق اللبنانيين وبعض الرموز السياسية والدينية ارتفعت أصوات جماعة الوصايتين تشكك بالتحقيقات التي أجريت مع المجرم سماحة وشريكه القاتل علي المملوك، ذاهبة إلى حدّ فبركة الوقائع واتهام المعلوماتية بدس الأسلحة في سيارة سماحة. ونتذكر هنا قولة عون: «وليش ما نقول إنو الأسلحة وضعت في السيارة؟» وآخرين عندما اعتبروا ان ميشال سماحة هذه القامة «الممانعة» و»المقاومة» تعرضت لاستدراج... من قبل قوى السلطة لإيقاعه؟ أكثر: تدخل حزب «الكبتاغون» لتخفيف الحكم على سماحة والإفراج عنه متجاهلاً كل الاعترافات الموثقة والأدلة الدامغة التي تدين «رجلهم» المقدس!

وهكذا اصدرت المحكمة العسكرية وقضاؤها حكماً صورياً كاد يبرئ سماحة من جريمته! انه حزب الدولة، وحزب المؤسسات لكن اياكم الاقتراب من «أوليائنا» القتلة ومن تدنيسها! فهم فوق كل شبهة وفوق كل حكم وفوق كل عدالة!

[ الموساد

وما حدث مع سماحة سبق ان لمسناه في الحكم الذي صدر بحق العميل الاسرائيلي فايز كرم، فميشال عون، رفع عقيرته وهدد بالويل والثبور، اذا تمت محاكمة حليفه ورفيقه، كعميل! بل كمواطن، مثالي، وطني! ونتذكر هنا تصريح أدلى به السيد حسن نصرالله قبل «الصيد الثمين» الذي حققته قوى الأمن وكشفت فايز كرم «يجب اعدام كل من يثبت انه عميل اسرائيلي اعداماً ميدانياً». لكن الحزب يستثني فهناك عميل اسرائيلي مُكرم، محترم، وهناك آخر تجب معاقبته. رائع! وتصرف صحافة «الكانتون» الإيراني المعروفة ساهمت في الدس والتضليل لتسفيه المحاكمة وإدانة قوى الشرعية التي نجحت في تحقيق هذا الانجاز! أترى تدخل الموساد من «تحت الطاولة» لطي صفحة فايز كرم، أترى عقدت صفقة بينه وبين «حزب الله« على هذه القضية؟ أياً تكن الأسباب فإسرائيل هي التي انتصرت، بفضل حزب إيران، بإطلاق سراح عميلها كرم! اسرائيل، تدافع عن عملائها كما يدافع حزب الملالي عنهم. ونتذكر كيف أخرج قاتل الطيار في الجيش اللبناني سامر حنا في سُجد «كما الشعرة من العجينة» من دون محاكمة أو اي تهمة: فهو دافع عن شرعية حدود الكانتون الالهي في وجه تحليق احدى طائرات الهيليكوبتر العسكرية الشرعية في مجال الحزب الجوي. وهل تنسى محاولة اغتيال النائب بطرس حرب بيد احد «المقاومين» تنفيذاً لقرار حزبه؟ ومسألة اغتيال جعجع، وهي مشابهة للأولى، وما مصير هذا الذي قاد هجوماً على تلفزيون «الجديد» وحاول احراقه، مسترشداً بوحي «الهي» يمتلكه الحزب الإلهي؟

[ والقديسون

وماذا نقول عن اعتبار «عصابة» المقاومة ان المتهمين الأربعة بقتل الشهيد الرئيس رفيق الحريري «قديسون» ولن يسلمهم الحزب لا بعد سنة ولا بعد 300 سنة! وها هم اليوم يسرحون ويمرحون على مرأى الاعلام داخل الكانتون الفارسي ويشاركون في الأفراح والعزاء ويترددون إلى المقاهي والمطاعم.

هؤلاء المجرمون المعروفة اماكنهم، لا أحد يمسهم لا بتهمة ولا باعتقال ولا بمحاولة توقيف او مداهمة. ذلك ان قديسي «الحزب» لا يحاكمهم البشر العاديون، ومحاكمتهم كفرٌ وعمالة وخيانة! وأظن ان هؤلاء المتهمين الأربعة يحتفلون أيضاً مع اربابهم بتوقيف الأسير! فهذا الأخير «يشكل عصابة» و«حزب الله« ألم يتحول عصابة! وهذا الأخير هاجم الجيش وحزب السرايا أولم يعتدِ على الجيش ولا مرة؟ وهذا الأخير يهدد «السلم الأهلي» وحزب «الخوارج» يعزز السلم الأهلي! وهذا الأخير حاول اشعال فتنة طائفية وحزب الفتنة بامتياز تمسك بالشراكة وبالشرعية ووحدة الشعب!

[ ابتهاج القتلة

ان هؤلاء المتهمين الأربعة مبتهجون جداً، تماماً كإعلام الممانعة وصحافتها ومرتزقتها وأغبيائها وجُهالّها، الذين ما فتئوا يحاولون تضليل المحكمة الدولية ويشككون بشرعيتها تشكيكهم حتى بشرعية قوى الأمن... والجيش والمجلس النيابي والحكومة! يبتهجون لأنهم يعرفون ما معنى تبرئة القاتل، واتهام الضحية. واعلام 8 آذار المكتظ بالعباقرة والغلمان، يكاد يطير من الفرحة. اعتقال الأسير انتصار «لنا»، كما تبرئة سماحة وفايز كرم! وحماية المجرمين، انتصار لهذا الإعلام «الفضيحة»، الذي لم يعرف لبنان انحطاطاً، كما عرفه معهم! إنها صحافة «الكانتون» المذهبي، وكل صحافة كانتونية باطلة، لأنها مشروع دائم لحروب أهلية.

توقيف الأسير انتصار يعادل انتصارهم في 7 أيار الشاروني وغزوهم بيروت والجبل، وتعويض لهزائمهم في سوريا، وصرف الأنظار عن 2500 قتيل لبناني في سوريا، وأكثر من 5000 جريح. ولن تتحقق لهم هذه الانتصارات إلا إذا ربطوا بين الأسير وبين 14 آذار، وتيار «المستقبل» والرئيس سعد الحريري! فالأسير مموّل من 14 آذار! ومدرّب في ثكناتهم، وخريج «مدارسهم» الإرهابية، وعميل لإسرائيل عبرهم، وبطل عبرا (عبرا مقابل 7 أيار!). إذاً، التقطنا «المناسبة» قالوا، لتعميق الشرخ المذهبي. و«حزب الله« قد فبرك في إيران لهذه المهمة. حزب مذهبي يرى كل شيء مذهبياً مثله. ولأنه حزب عميل من ألفه إلى يائه، يرى أن كل من حوله «عميل». و«حزب الله« عصابة مسلحة تابعة للحرس الثوري الإيراني، ولا بد أن يربط كل حزب بالخارج، ليبرر نفسه. و«حزب الله« مكتظ ملفه بالاغتيالات والقتل والسطو وتهريب المخدرات... فلماذا لا يكون الجميع مثله؟ و«حزب الله« ذهب إلى سوريا بشعار مذهبي «حماية مقام السيدة زينب»، فلماذا لا تكون كل شعارات الآخرين مذهبية؟ وحزب الله هو حليف لـ»داعش»، وعصابات إيران في سوريا، فلماذا لا يكون الآخرون هم «داعش»، نتهم بالداعشية لنبرئ أنفسنا منها. نتهم بالداعشية، والإرهاب، لنموّه تحالفنا مع داعش، ونغطي تجنّب مواجهتهم: حزب الله لم يواجه داعش بل واجه «الجيش الحر». وداعش حتى الآن لم تُهاجم أي هدف إيراني، أو إسرائيلي أو أميركي! بل الجيش الحر. فلماذا لا نموّه هذه المسألة باتهام «المستقبل» بالإرهاب. حزب الإرهاب المعلن، والمتكامل، والنقي، لا يجد وسيلة لطمس إرهابه المتمادي، كمنهج وعقيدة وطريقة تفكير، وحتى حياة، وسلوك، إلاّ بإلقاء قذاراته الإرهابية على خصومه. إنه يرشق دماء ضحاياه على خصومه.

[ عندما دعم «حزب الله» الأسير

يرمي فجوره على سواه. والغريب غير المستغرب أن الحزب عندما بدأت «بشائر» ظاهرة الأسير تطل، تسخّر كل إعلامه، لتظهيره، وتسليط الضوء عليه، من «مناره» المظلم، إلى سائر المواقع، والمنابر. وقالها عندئذ ناصر قنديل «ان الأسير ظاهرة صحية، وصرخة في وجه الحريري، وخطابه معقول، وحقيقي». ثم قال قبل أيام «ان الأسير هو الحريري»، «عملة واحدة». أكثر وقد أبرز حزب «الفتنة» الإلهي الأسير على شاشته لكي «يشتم الحريري»، محاولاً استيعابه ربما، وتشغيله عنده لاستغلاله في شق صفوف السنة، أو إعطائها منحى متطرفاً! ويضاف إلى ذلك أن إعلام المرتزقة والغلمان عند أهل الممانعة اتهم الأسير في البداية أنه «يقبض» من السعودية... لكنه ما لبث أن «صحح» متهماً إياه بأنه مموّل من دولة قطر!

كل هذا «التقدير» المبكر للأسير جاء من عنديات حزب «الأسير» (و«حزب الله» حزب أسير! ممول من إيران ومصنوع في إيران ومسوّق من إيران)، وليس من عنديات 14 آذار أو تيار «المستقبل«. لكن وعندما فشلوا في استخدام «الأسير» ضد الحريري، انقلبوا عليه» وفاتحة انقلابهم: (والحزب أبو الانقلابات المتواصلة على الدولة)، «إنه صنو الحريري»، إنه «صنيعة الحريري»! من تقديس الأسير باعتباره احتمال أداة عندهم ضد تيار المستقبل، إلى أبلسته، عندما أفلت منهم! وها هم اليوم، يحتفلون باعتقاله «كصيد ثمين» لتأزيم صورة البلد، والإمعان في إظهار أنهم هم من أنجزوا المهمة، لا الأمن العام (أي مجازاً هم الأمن العام)، وعندما أحيل على المحكمة العسكرية، فاضت رغوة أفراحهم، لإظهار أن الأسير أحيل على محاكمهم (ومجازاً أنهم هم المحكمة العسكرية!). وكل ذلك، يضاف إلى مخطط الحزب لتسفيه كل شيء في لبنان، حتى الأمن العام، والقضاء العسكري، والتباهي أن كل هؤلاء في «جيب» سراويله!

[ يحاكمون الأسير قبل المحاكمة

وعلى هذا الأساس بدأ الحزب قبل المحاكمة، يحاكم أحمد الأسير، ليتهم سواه. بدأت صحافته العميلة أو صحافة كانتونه المذهبي التقسيمي، تسبق في أحكامها المحكمة، وتتجاوز في تحاليلها التحقيقات. بل وصل بها الأمر وكأنها تريد سوق المحاكمة وتوجيهها، واختراع «اعترافات» ملفقة جلّها لتكبير حجم الأسير، وتعظيم دوره، وتوسيع أهدافه، لتكتمل صورة خطره، وتتكشف «علاقاته» بالسنة، وتالياً، لرشق السنة بتهمة التطرّف، والداعشية! يغرفون من تلفيقاتهم، ليعطلوا المحكمة العسكرية، ويضعوها أمام الأمر الواقع. كما وضعوها في محاكمة ميشال سماحة: برأوا هذا الأخير عبر تخفيف الحكم عليه (بضغوط إلهية من «الحُزيب» الإلهي)، ليعوضوا بتكبير أحمد الأسير، الذي على الرغم من تفاهته وجنونه ليس سوى ظاهرة محدودة بائسة، لا تشكل الخطر الذي يشكّله حزب إيران على لبنان!... وها هم، ليؤكدوا مصداقيتهم يدعمون القضاء العسكري! وينوهون بنزاهته، (كما فعلوا إثر الحكم التخفيفي عن سماحة)، لتكون المحاكمة كما يشتهون. نحن لا نشكك بهذا القضاء، ولكن نخشى أن يكون ما زال من مخلّفات الزمن العضومي، الذي لفّق لميشال عون لائحة من الاتهامات (عميل إسرائيلي، سارق الأموال العامة، فار من الجندية)، ليعودوا ويبرئوا عون عندما صار حليفهم: من اتهام سياسي إلى تبرئة سياسية!).

وهنا، لا بد من القول، أنه لا يكفي أن نهلّل فقط لاعتقال أحمد الأسير، (وقد هلّلنا فعلاً)، ولكن أن نتجاوز الخطاب الاعتذاري مع أنواع المحاكمات المسيّسة، سواء أتت من المحكمة العسكرية (يجب إلغاؤها)، أو القضاء بشكل عام! وإلاّ ستصل الموس إلى عنق الجميع! ومعروف أن شاهر هذه الموس هو حزب السلاح والقتل وتهجير السوريين، ونهب منازلهم، ومنعهم من العودة، فحزب بات يعتبر محتلاً أرضاً عربية مع عدو فارسي، آخر لا يحق له (ولعملائه الصحافيين) حتى إدانة ظاهرة الأسير... لأن ظاهرة الأسير طلعت من الاستبداد المطلق، والمذهبية الخالصة، والتطرّف الأعمى... وانتهاك الحرمات، والعمالة الصحافية.

فظاهرة الأسير هي قطرة من محيط «حزب الله» الإرهابي! إرهاب صغير مقابل إرهاب أكبر وأخطر وأفظع!

وأخيراً، إن إسرائيل التي من المحتمل أنها تدخّلت لتخفيف الحكم على عميلها الأثيري في لبنان فايز كرم، سجلت انتصاراً على الدولة والشعب، تماماً كما كادت إيران والنظام السوري تسجلان انتصاراً لإرهابهما، عندما ضغطا لتبرئة سماحة! دائماً وراء خراب الدولة من «يفرح» لا سيما الكيان الصهيوني، وإمبراطورية الملالي... ومن تبقى من نظام الإرهاب البعثي!

نقلاً عن "المستقبل"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.