.
.
.
.

حكاية مملكتين

مأمون فندي

نشر في: آخر تحديث:

كان الروائي البريطاني الراحل تشارلز ديكنز قد كتب «حكاية مدينتين»، أما أمن العالم العربي اليوم فهو حكاية مملكتين، الأولى المملكة الأردنية الهاشمية كخط دفاع أول ضد الأطماع الإسرائيلية في أرض العرب، والثانية مملكة البحرين خط دفاع العرب الثاني ضد أطماع الفرس في بلادنا. ومع ذلك، وفي خضم الأزمات، ينسى العرب القيمة الاستراتيجية لمملكتين، صغيرتين في الحجم، كبيرتين في الأهمية الاستراتيجية للأمن القومي العربي، إذا كان هناك مفهوم واضح ومتبلور للأمن القومي العربي غير ترديد العبارة في الإعلام ممن لا يفهمون مغزاها.

لماذا الأردن؟ الأردن اليوم يتعرض لعدوان ثنائي لتفكيك المملكة، العدوان الأول تقليدي ومعروف وهو العدوان الإسرائيلي الذي يهدف لذلك بشكل استراتيجي بعيد المدى، رغم اتفاق السلام بين إسرائيل والأردن، وهو كامن في العقل الإسرائيلي بأن فلسطين هي الأردن، ومع الوقت تتم عملية «الترانسفير» أو نقل الفلسطينيين إلى الأردن بشكل يقلب التوازن الديموغرافي في الأردن، وبهذا تتخلص إسرائيل من فلسطين والأردن في ضربة واحدة.

العدوان الثاني هو عدوان جماعة الإخوان والإسلام السياسي على المملكة الأردنية، في تضافر مريب مع الأهداف الإسرائيلية، أي أن هناك تحالفًا غير معلن بين «الإخوان» وإسرائيل لتفكيك الأردن.

ورغم هذا فبقية الدول العربية، خصوصًا الغنية منها، لا نقول تتجاهل الأردن من حيث الدعم المالي والبترولي، وإنما لا تدعمه بالقدر الكافي، الذي في إمكانه أن يخفف عن المملكة كي تتفرغ للتعامل مع التهديدين الإسرائيلي والإخواني في الوقت ذاته.
ينفق العرب أموالاً طائلة بشكل تكتيكي، لكن دعم الأردن، وهو الأمر الاستراتيجي، لا يحظى بالاهتمام نفسه، وأتمنى أن يكون هذا المقال جرس إنذار للالتفات إلى أهمية الأردن كبوابة عربية ضد أطماع قادمة من جوار غير عربي لا نأمن مكره ولا نحيط بمخططاته.

أما المملكة الثانية التي تمثل حجر زاوية في الأمن القومي العربي فهي مملكة البحرين، التي تتعرض لهجوم إيراني مستمر لا ينقطع، وآخره عمليات الإرهاب المستمرة. وقد أحسن مجلس التعاون الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية بإرسال قوة «درع الجزيرة» إلى البحرين، والتي أرسلت رسالة واضحة لإيران بأن أمن البحرين من أمن كل دول المجلس، وأن دول الخليج لا تفرط في أمن البحرين فعلاً لا قولاً. ومع ذلك لم يرتدع الطابور الخامس الإيراني في البحرين، ولم يتوقف عن عملياته التخريبية، رغم كل المشروعات الإصلاحية التي قدمها الملك حمد بن عيسى آل خليفة لاستيعاب كل مواطني البحرين تحت مظلة المواطنة كي ينهي تعدد الولاءات عند متطرفي الطائفة الشيعية في البحرين.

كتبت هنا في هذه الصحيفة عن تعامل المعارضة في البحرين على أنها مثال صارخ على الجوع السياسي للمعارضة الشيعية الخالصة، المتمثلة في جمعية الوفاق، التي ما إن رأت الحوثيين في اليمن يسيطرون على صنعاء، حتى رفضت ما تقدمه الدولة من تنازلات وهي كثيرة، فأعلنت مقاطعتها للانتخابات في محاولة لنزع الشرعية عن العملية السياسية برمتها. وفي سياق آخر، ربما كانت ستتصرف المعارضة بشكل عقلاني، ولكن كما يقولون «الجوع كافر»، ودافع الجوع أحيانًا يأخذ أصحابه إلى التهلكة في حالاته القصوى. مثلاً تجاوب الحكم في البحرين مع معارضته من خلال دستور جديد وإعادة توزيع الدوائر الانتخابية، وكذلك صلاحيات البرلمان في مساءلة الحكومة بما يجعل البحرين متقدمة كثيرًا عن بقية دول المنطقة في التجاوب السياسي، ومع ذلك يقف بين الاستقرار والسلم الأهلي في البحرين جوع المعارضة.

حالة البحرين حالة لا يمكن الحديث عنها وكأنها دولة أو نظام مغلق، ما يحدث في البحرين لا يمكن فهمه خارج إطار الأمن الإقليمي، وخارج إطار الأطماع الفارسية في البحرين التي تستخدم أدواتها المحلية لزعزعة نظام الحكم في تلك المملكة الصغيرة المسالمة على مرّ التاريخ.

البحرين والأردن مثل كل الدول الصغيرة، تتأثران بأطماع وتجاذبات جوار قوي، فالبحرين مثلا تقع في منتصف التنافس السعودي الإيراني على النفوذ في الخليج، وتتأثر أيضًا برغبات القوى العالمية العظمى ومصالحها في المنطقة، وكذلك الأردن الذي هو محط أطماع الإسرائيليين من ناحية ومعارضة إخوانية غبية تريد تحقيق الحلم الإسرائيلي بتحويل الأردن إلى فلسطين. إذن الجوع السياسي الخاص بمعارضات غبية تنفذ أجندة خارجية بعلم أو دون علم وأطماع الجوار، هما تهديد واضح لأمن المملكتين، وعلى العرب الكبار أن يدركوا ذلك فعلاً لا قولاً قبل فوات الأوان.

اهتمام الخليج بالبحرين عسكريًا مهم، ولكن أيضًا البحرين يجب أن تكون بالنسبة للتجمع الخليجي بمثابة بلجيكا بالنسبة للاتحاد الأوروبي. مملكة بلجيكا الفقيرة أصبحت مركز السياسة الأوروبية، ليس لشيء خاص بها، ولكن لأن الأوروبيين يريدون إنعاش بلجيكا.

نموذج بلجيكا، المملكة الفقيرة في أوروبا، التي أصبحت مركز نشاط سياسي يؤدي إلى ازدهار اقتصادي، يجب أن يطبق على كل من البحرين والأردن، فليس عيبًا أن تكون الجامعة العربية في الأردن مثلاً، ومقر مجلس التعاون في البحرين، فهذا لن يضير لا مصر ولا المملكة العربية السعودية.

الفكرة هي أن تجاهل ازدهار مملكتي البحرين والأردن من خلال الدعم السياسي والاقتصادي يجعل الأمن القومي العربي مهددًا في حدوده الحضارية والسياسية والأمنية مع الفرس ومع إسرائيل.

قد تبدو البحرين والأردن وكأنهما مملكتان صغيرتان ليستا أساسيتين في الأمن القومي العربي، لكن الحقيقة هي أن أمن العرب مرهون بأمن البحرين وأمن الأردن.

الفكرة الخاصة بأن الأمن القومي العربي أصبح حكاية مملكتين لا يمكن استيفاؤها في مقال صحافي. الفكرة تحتاج إلى ورش عمل استراتيجية جادة لتقييم مدى صحتها، وما العمل المحدد الذي يستطيع العرب تقديمه للأردن والبحرين. الأردن يقع تحت خطر مؤامرة أو تحالف إخواني إسرائيلي لإسقاطه وإحلال فلسطين محله، أما الإيرانيون فلا يتوقفون عن إعلان أطماعهم في مملكة البحرين.

فهل ينتبه العرب في خضم مشاكلهم إلى أن الضربة القاضية قد تأتي من المناطق التي تقع خارج دائرة الرؤية؟.. مناطق نظن أن لديها القدرات الكافية على الدفاع عن نفسها، رغم أن الأخطار تتضاعف كل يوم. الأردن والبحرين مملكتان صغيرتان، لكن في حالة سقوطهما ستسقط فكرة الأمن القومي العربي إلى الأبد.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.