.
.
.
.

طعم البسكويت

خولة مطر

نشر في: آخر تحديث:

كل هذا العبث العربى يبعث على الحزن بل كثيرا على الرعب حتى يفرط القلب، فيصبح أن تستفيق وتنام على صوت صمت قبضة قلبك. ورغم قساوة الواقع الممتد عبر أضلع السنوات الأربع أو أكثر إلا أن بعض مخلفات هذه المرحلة ستظل تطاردنا لسنوات وسنوات قادمة إن لم يكن أكثر.

فماذا سيفعل طفل البندقية والسيف؟ كيف سيكون مستقبل طفلة أسواق النخاسة والاغتصاب الجماعى؟ وما الذى سيقدمه أطفال لم يعرفوا طعم البسكويت والشوكولاتة بل رائحة الدم ومذاق الحنظل؟

أطفال، حتى أولئك البعيدون منهم عن تلك اللحظة أو بعض المدن المغمسة بروائح البارود وهى كثيرة جدا، هؤلاء الأطفال لم يعرفوا سوى مشاهد دمار لهم أو لأطفال آخرين هم الأقرب لهم. كيف سيستعيد الوطن عافيته بعد أن تسكت أصوات المدافع أو تدفع وتجبر على السكوت ؟ كيف يستعيد الوطن نبضه الأول والأطفال تشردت بين الشوارع والطرقات، تتوسل بعض فتات الموائد أو الرحمة والحنان أو ربما فقط، كما قال ذاك الذى أجهش بالبكاء عند سؤاله ما الذى يفعله والليل قد انتصف أو أوشك على أن يرسل الضوء الأول لليوم الثانى ؟ ذاك الذى قال أريد رغيف خبز لأمى وبسكويت لأختى التى لم تعرف طعمه أبدا منذ ولدت بعد الربيع!

لم تكن المشاهد صارخة كما هى فى حال الوجوه التى تتزاحم بحثا عن أم أو أب بين الأشلاء أو بقايا منهم. كيف سيكبر هؤلاء ليصبحوا أفراد صالحين ومنتجين فى مجتمعات مصابة بأكثر من داء مستعصى من التقسيم والتشرذم إلى الطائفية والقبلية والمناطقية إلى الداخل والخارج وإلى المدينة والريف؟ كل هذه تقسيمات ستحفر الكثير من الخنادق بداخل النفوس المتعبة. إذن ما الذى يفعله طفل كبر ولم يعرف سوى لون واحد أو التكرار بأن الدم هو للدفاع عن هذا اللون الواحد. طفل صغرت أحلامه لتنحصر فى مدرسة بها سبورة وأدراج غير مكسرة وشباببيك تقيه برد الشتاء ونسمات الرياح التى لا يتحملها جسده الضعيف والمتعب. طفل يحلم بقطعة شوكولاته أو رغيف خبز مغمس بالزيت أو ربما قطعة لحمة اختفت من على موائد الأسرة منذ سنين حتى أن أخيه الصغير الذى ولد بعد الأزمة لا يعرف معناها ولا معنى أن اللعب كلمة مرادفة للأطفال. أخيه الذى يخشى الشارع رغم أنه كان ملعبا واسعا لأطفال الحى.

أطفال لم يعد للعب مساحة فى تفاصيل أيامهم. فقد انقسم أطفالنا إلى نقيضين إما منغمسين بين هواتف نقالة وأيباد وأجهزة كمبيوتر متطورة، أو خائفين ومرتعشين من البرد شتاء والحر الشديد صيفا. لا مساحة لأطفالنا بين هاتين الصورتين المتباعدتين وفى كلتاهما تغييب للقادم أو خوف منه. فلا أمل فى جيل لا يعرف من التكنولوجيا الحديثة سوى أنها وسيلة لإضاعة الوقت أو قتله! وجيل آخر كبر فى حضن الموت حتى أصبح أقرب له من حليب أمه!

هذه أمة تمتد من أقصى المحيط إلى الخليج تردد يوميا أناشيد وأهازيج التمجيد والتبجيل، تعود للماضى أحيانا لتنتشل منه بعض الصور المشرقة عندما كثر السواد الحاضر. تعيد إنتاج أو توزيع الماضى لندرة الصور المشابهة فى الحاضر. تفتح الألبومات العتيقة وأشرطة الأغانى المتقطعة، تعيد لزقها وإصلاحها وتوزيعها فتنتشر قشعريرة نادرة فى الجسد الميت ولكنها مؤقتة مسكنة كحبة البنادول!

وعلى الضفة الأخرى يصطف أطفال المربيات، جيل خلف جيل تربى على أيدى امرأة تركت أبناءها فى قرية بعيدة فى بلد بعيد جدا لتربى أطفال لا تعرفهم، فيما أطفالها يبحثون عن بعض الحنان وكثير من الرحمة. هنا النقيض فالأم حاضرة ولكنها بعيدة أو هكذا قيل لها أن التحضر والتمدن يعنى أن يكون لكل طفل مربية وعليها هى أن تتفرغ لأمور أخرى، ولم يتساءل هؤلاء «ما هو أهم من أن يكبر الطفل فى حضن أمه؟» ولم ينظروا هناك حيث المدن المحترقة والأطفال الصارخة بين قذيفة وأخرى تبحث عن أمهات أو ما تبقى من عائلة وأهل!

نقيضان صارخان وفى كليهما مؤشرات الخوف بل الذعر من القادم. فهذه أوطان بحاجة إلى كل طفل وطفلة ليكبروا فينتجوا وطنا آخر يزرع الورد والشجر بدل الصواريخ والقذائف. وطن يرسل المحبة بدل كل هذه الكراهية، وطن يرضع فيه الطفل الحرية والكرامة من حليب أمه وليس وطن لا تستطيع الأم فيه أن تسقى ابنها بنقطة حليب لأن ثديها قد نشف إما من قلة الأكل أو من شدة الخوف القادم مع القصف والمجهول.

وطن يعرف أطفاله أن الشمس ليست لتحرق جلد أخيه وهم فى خيام اللجوء الداخلى أو الخارجى، وأن للشمس دفء هو الأحق به. وطن يعرف فيه الأطفال أن المدرسة حق وليست مكرمة وأن التعليم أكثر نفع من حمل البندقية، وأن الطفولة هى سنوات من اللعب والمرح وليست مرحلة اختزلتها الأيام فلم يعرف معناها الكثير من أطفالنا. وإن البحر ليس بعيدا بل قريبا منهم ويوما ما سيغتسلون به ويسقطون كل ذاك العالق من زمن الكراهية والخوف. وطن بمذاق الشهد وليس بطعم الحنظل!

نقلا عن "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.