.
.
.
.

نفاياتُ تنظِّفُ اللغةَ السياسيةَ اللبنانية

جهاد الزين

نشر في: آخر تحديث:

دعوني من البداية في هذه المقالة أذكِّر أنني غير مؤمن أن بإمكان حركات الاعتراض الشبابية أن تصل إلى أي نتيجة جوهرية في تغيير سلوكيات الطبقة الحاكمة للنظام الطائفي اللبناني القوي جدا والذي يدير دولة تافهة.

هؤلاء المعترضون الشباب الذين شكّلت فضيحة النفايات، بألاعيبها واستهدافاتها الاستثمارية وانتشارها الشارعي، مناسبة تفريغ غضب أقصى ما فيه إحراجه للتركيبة السياسية، هم، للتكرار، مجموعات قليلة أو نخبوية بمواصفات حداثية لا تقل عن كتل شباب الحركات الطليعية "وول سْتريت" و"ساحة تقسيم" و"ميدان التحرير" و"ساوباولو" و "سيول".

لكن ومنذ الآن وكما حصل سابقا ومرارا، فإني أتوقع أنه خلال أقل من عام سيلتحق الكثير من هـؤلاء بمن سبقهم من عشرات آلاف الشباب للعمل في الخارج الأوروبي أو الأميركي أو في "الداخل" الخليجي الدبيّاني بصورة خاصة. وستتلقى الكفاءات الشبابية اللبنانية المشاركة في التحرّك والمتعددة الطوائف التي ترصدها الجهات المانحة والشركات المهمة الغربية في بيروت عروضا للعمل أو أن طلباتها ستُقبل بمعظمها إلى الخارج. بينما ستبقى مجموعات العنف الشبابي الطائفي، التي ربيت في أحضان الميليشيات في خندق الغميق والطريق الجديدة والدورة وبحمدون وغيرها في بيروت والمناطق، موجودةً يستخدمها النظام الطائفي أحيانا بشكل فاشي وفعال، ستبقى هذه المجموعات بمعظمها إما من دون عمل أو في أعمال في أسفل السلم الاقتصادي جاهزة للقمع الشارعي "النووي".

إذن أنا غير مؤمن بإمكانية التغيير في ظل "النظام القوي والدولة التافهة" وهو نظام شعبي جدا أي أنه يمثِّل أغلبية المجتمع ولا خيار عقلاني للشباب المتعلّم بشروط التعليم المعولم إلا أن يفعل ما يفعله دائما وبتشجيع من عائلاته وهو الخروج إلى الخارج.

لكنْ كل هذه الصورة الكئيبة لعدم إمكانية التغيير واليائسة تماماً، لن تمنعني من ملاحظة أن اعتراض المجموعات الشبابية على فضيحة النفايات، بما هي حركة احتجاج لا حركة تغيير، قد أدّى بشكلٍ ما ووسط الرائحة والمنظر المقيت ( والخطِر) أينما كان إلى أن تعيش اللغة الساسية اللبنانية إحدى أكثر مراحل نظافتها التعبيرية إنْ لم تكنْ الأنظف على الإطلاق.

أنظروا إلى الشعارات المرفوعة، الكاريكاتورات المرسومة، التعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي، الصحافة الإلكترونية، الصحافة الورقية... أحاديث الناس... كلها تستخدم كلمة "النفايات" أو "الزبالة" كأنها مستَحضَر جديد لتنظيف الكلام القديم لكنْ كما يمسح المرء بندقيته أو مسدسه المليء بالصدأ. دخلت علينا الزبالة، لغوياً، كمنقذ من رتابة الكلام المستهلك. و"أنتم" (من هم أنتم؟) تعرفون أنفسكم : تشتمون السياسيين فعلاً ولكنكم، أو أغلبكم الساحق، مُوالٍ لهم بل ومتعصّب طائفيا وراءهم. مع ذلك جاءكم المطهِّر الجديد، وهو حصيلة أبشع ما يخرج منا وعنا، كهبة مجانية ومفاجئة، لكي تحاولوا أو نحاول أن نرش عطراً نقديا على اللغة السياسية. لبنان يشبه هذه الأيام الفيلم الأميركي "عطر" المبني على قصة للروائي باتريك سوسكند وهي قصة عطّار فرنسي شهير في القرن الثامن عشر يصنع عطرا رائعاً من أجساد نساء جميلات بعد قتلهن. فيجعل الرائحة مزهرة في أكثر الأمكنة والتربات قذارةً وقرفاً في العالم. إنها الرائحة القصوى جاذبيةً وجمالاً من الجسد الميت.

عطر أزمة النفايات فعّال جدا على اللغة السياسية وليس على الحياة السياسية. اللغة السياسية مسألة توصيف ونقد، الحياة السياسية مسألة فعالية وتغيير. الفعالية معدومة حتى جيل آخر ومحيط إقليمي آخر. اللغة ممكنة وهذا ما يفعله " اللغويّون السياسيون" الحداثيون المعولمون الشباب في ساحة رياض الصلح. أما الحياة السياسية حيث يسيطر النظام القوي بتفككه وبتواطآت نخب واسعة ذات مصالح داخل الدولة المفلسة لكن غير المتوقفة عن الدفع... هذه الحياة السياسية التغيير الجاد فيها لا قوى بنيوية له حاليا.

مع ذلك منحنا ويمنحنا هؤلاء الشباب اليتامى سياسيا فرصة تنظيف قاسية للغة وأشخاص ومفاهيم. الزبالة الرائعة حين تكشف وسخ النظام لا الإداري فقط بل الطائفي أيضا والاقتصادي أساساً.
رحبا بكل تجديد في اللغة السياسية.

*نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.