.
.
.
.

رولا خرسا

نشر في: آخر تحديث:

فى شمال كينيا حيث يكثر العشب توجد قرية تدعى أوموجا.. قرية للنساء فقط ولا يسمح للرجال بالعيش فيها.. تقيم فى هذه القرية خمسون امرأة وثلاثمائة طفل.. ولأوموجا حكاية روتها صحيفة الجارديان البريطانية مؤخراً فى تحقيق أجرته من هناك.. بدأت عندما تعرضت الأم الحاكمة للقرية ريبيكا لولوسولى ومجموعة من النساء للاغتصاب من جانب الجنود البريطانيين المتواجدين هناك، وكانت قضية كبرى طبعا نفت أثناءها وبعدها الحكومة البريطانية الأمر، بل وصلت بها الفجاجة إلى حد اتهام الستمائة محضر وتحقيق للشرطة بأنهم مزورون.. المهم نعود إلى ريبيكا التى اغتصبت وذهبت إلى زوجها تبكى بسبب ما حدث لها وهى الضحية التى عانت وكادت تموت متوقعة منه مؤازرة وتعاطفا، إلا أن الزوج طردها معتبرا إياها عارا عليه وعلى المجتمع.. فذهبت إلى المستشفى، وهناك فكرت فى مشروعها، إنشاء قرية للنساء والأطفال وتقدمت بطلب للمسؤولين للحصول على قطعة أرض قرب إحدى المحميات الطبيعية وطالبت بأن تصبح مزاراً سياحيا. ووافقت الحكومة مقابل مبلغ من المال قامت ريبيكا ومعها خمس عشرة امرأة بجمعه على مدار أشهر حتى أصبحت الأرض من نصيبهن.. وبدأت ريبيكا تتعرض لعنف جديد، إذ كان أزواج النساء اللائى يلجأن إليها يأتون لضربها لأنها جعلت نساءهم يعصينهم.. وكانوا يرددون دوما أعيدى النساء نساء، وكأنه كتب على النساء أن يبقين قرب أزواجهن لضربهن أو لإساءة معاملتهن.. كانت قرية ريبيكا تستقبل ضحايا أى عنف جنسى مثل الاغتصاب أو عنف جسدى مثل الضرب. ووصل عدد سكان القرية فى وقت من الأوقات إلى ستين امرأة وعدد من الأطفال.. كن يعملن فى ورشة لصناعة الحلى اليدوية وبعض الأشغال يبعنها للسائحين الذين يزورون المحمية الطبيعية الموجودة قرب أوموجا..

لم يسمح للرجال بالمبيت، إلا أنه عندما اكتشف أن عدد الأطفال فى القرية فى تزايد اعترفت بعض النساء بأنهن سمحن لرجال بزيارتهن ومعاشرتهن كى يحملن، إذ إنهن كن يردن أطفالا وقالت إحداهن «نحن لا نكره الرجال وكل امرأة تحلم بطفل، ولكن لا نريد العيش معهم لأنهم يسيئون معاملتنا»..المهم أن النساء اختلفن وخرجت مجموعة منهن وأنشأت قرية أخرى اسمها ناشامى اعتبرتها الخارجات بابا جديدا للأمل.

أحكى التجربة ليس لتحمسى لها فقط بسبب ما عانته هؤلاء النساء من ألم لم يهزمهن، ولكن لأنها أيضاً تجربة تستحق التسجيل. خاصة أن ثلث نساء العالم قد تعرضن للعنف، إذ أجرت منظمة الصحة العالمية دراسة حديثة بالاشتراك مع كلية لندن لشؤون الصحة والطب الاستوائى ومجلس البحوث الطبية على أساس البيانات الواردة حالياً من أكثر من 80 بلداً، وتبيّن من الدراسة أنه يوجد على الصعيد العالمى نسبة 35٪ من النساء قد تعرضن للعنف الجسدى أو الجنسى على يد شركائهن الحميمين أو للعنف الجنسى على يد غير الشركاء. ويمارس الشريك الحميم جلّ هذا العنف. ويتعرض تقريباً ثلث إجمالى عدد النساء فى العالم (30%) من المرتبطات بعلاقة مع شريك للعنف الجسدى أو الجنسى على يد شركائهن الحميمين، وترتفع نسبتهن إلى أكثر من ذلك بكثير فى بعض المناطق. وهناك على الصعيد العالمى نسبة تصل إلى 38٪ من جرائم قتل النساء التى يرتكبها شركاء حميمون.

العنف ضد المرأة يرتكبه رجل وهناك ثلاثة أسباب تدفع الرجل إلى العنف: المعتقدات الخاصة بشرف الأسرة والعفاف، والمذاهب الداعية إلى تلبية استحقاقات الذكور الجنسية، وضعف العقوبات المفروضة على مقترفى العنف الجنسى. ولو أخذنا كل سبب على حدة لوجدنا أن معتقدات شرف الأسرة فى مجتمعاتنا قد تراجعت إلى حد كبير بسبب الضغوط الاقتصادية ولكن تبقى سببان.. ما زلنا نردد للنساء أن الملائكة سوف تلعنهن إن لم يطعن أزواجهن ولا نقول للرجال هل قمتم بواجباتكم نحو نسائكم؟ ما زلنا نعتبر أن المرأة إناء متعة لذا يسمح للرجال بالتحرش بها فى الشارع والعمل، ويمارس العنف ضدها فى البيت.. ما زلنا نعامل النساء على أساس أنهن القادرات على كل الأعباء ولا حق لهن بالشكوى.. ولا تزال القوانين ضعيفة ومليئة بالثغرات ضد حقوق المرأة فتفضل المرأة الاستمرار مع مرتكب عنف ضدها حتى لا تجد نفسها دون مأوى ودون دخل.. ولو فكرنا برمزية لوجدنا أن بيوتا كثيرة من النساء أوموجا صغيرة.. ولكن لا أحد يسمع صوتهن.

*نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.