عن صديقي علي.. وخصمي مناصر حزب الله..

علياء إبراهيم
علياء إبراهيم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

أثناء تغطيتي لتظاهرة "طلعت ريحتكم" يوم السبت الماضي, استوقفني رجل مسن سائلاً لصالح أية قناة تلفزيونية أعمل. أجبته, فأشاح بوجهه وهو يقول متأسفاً مبتسماً إنه ليس بإمكانه الحديث معي, فهو من مناصري حزب الله ويعبر عن أرائه عبر القنوات الداعمة للحزب حصراً, وهي وحدها تمثله.

سألته عن سبب وجوده في الساحة فقال إنه تعب, ويريد حياة أفضل. قلت له اتفقنا، مقترحة أنه ربما اليوم بإمكاننا أن نتكلم, ليجيبني بعفوية لم تخلُ من ابتسامة قبل أن نفترق من دون حديث: "عسى دائماً".

دقائق قليلة مرت قبل أن ألتقي صديقي علي. فوجئت من نفسي وأنا أوجه له بدل التحية اعتذار.

قبل النزول إلى الشارع, كان علي قد كتب على صفحته في "فيسبوك" أنه سيشارك في التظاهرة, لأنه كفلسطيني ولد في لبنان, في مخيم برج البراجنة تحديداً, يريد أن يعيش في ظل دولة تعامله "بشيء من الاحترام".

أسطر قليلة كتبها المهندس المعماري عن منعه من الانتساب إلى نقابة المهندسين, هو المتخرج بتفوق في الجامعة اللبنانية التي فاز باسمها وباسم لبنان بجائزة عالمية سلمه إياها في حينها رئيس الجمهورية. ختم علي أسطره بملاحظة: "أنا أعترف بذنب الفلسطينيين واعتذرت عشرات المرات, ولم يعتذر مني أحد, ولا مرة بعد".

رداً على اعتذاري, المتأخر وغير المفيد, ضحك علي قائلاً اليوم لا داعي: "اليوم بيروت تنصفني. كل عشرة أعوام, تهديني بيروت تظاهرة مثل هذه, تجعلني أشعر أنها كافية كي لا أذهب إلى السويد, كي أبقى هنا...".

عشرة أعوام مرت على تلك التظاهرة التي جمعتنا أنا وعلي وآخرين... صار كثر منا بعدها أصدقاء. تشاركنا خلالها الساحة والحلم, ومن بعدها الخذلان تلو الآخر.

كنا أصغر سناً, وأكثر خفة... لم نكن قد أصبحنا آباء وأمهات. تذكرت أن ابنتاي لم تكونا قد ولدتا بعد, مثل ليلى, ابنة علي، وتذكرت ما لم يكتبه عن المعاناة التي يعيشها يومياً مع عائلته الصغيرة, بانتظار تأشيرة سفر سياحية, أو معاملة في دوائر الدولة.

ليلى, لم تتمكن أمها ناتالي أن تمنحها الجنسية اللبنانية, مثلها مثل كل لبنانية منقوصة المواطنة مهما اجتهدت ومهما حققت.

كم هي مهدورة حقوقنا, كم هي قليلة إنجازاتنا, كم هو طويل طريقنا.

نساء وفقراء ومهمشون وأجانب ومتفوقون ومعوقون ومشردون وعمال وأساتذة ولاجئون ونقابيون وأقليات.. من حولي, يريحني مشهد الشعارات الملونة المطالبة بمروحة هائلة من الحقوق، بدءا من الحقوق الدستورية المتعلقة بحق التعبير والتمثيل عبر الانتخابات، وصولاً إلى مطالب خلافية مثل قضية تشريع زراعة الحشيش, مروراً بالحقوق السياسية والمدنية المطالبة بالعدالة الاجتماعية والجندرية والطبقية والعنصرية... المنتهكة كلها.

هل حقاً في رفع هذه الشعارات تراجع عن المطالب السياسية؟ عن مطلب نزع سلاح حزب الله تحديداً، كما اقترح صديق في سؤال يبطن انتقاد؟
طبعاً كلا.

الشعارات جديدة وتنوعها يقنعني ويشبهني, ويشبه علي, حتى وإن كان يشبه كذلك خصمنا، مناصر حزب الله المبتسم الممانع والممتنع, وربما أكثر بسبب ذلك.

بإمكاننا الاعتراف أن السلطة اليوم محصورة في يد حزب الله, فهو وحده يملك السلاح، وهو وحده لديه القدرة على استخدام العنف, من خارج إطار الدولة... لنختلف قدر ما نشاء حول السلاح, وحول مشاركة الحزب في الحرب سوريا, وحول العلاقة بنظام الأسد, أو بطهران أو واشطن أو الرياض.

خلافنا هذا, قد يشبه تفاوت مشاعرنا تجاه صوت جوليا بطرس, الثورية زوجة معالي الوزير, صادحاً في ساحة الشهداء يذكرنا بكل القضايا التي لم يكن لدينا ولزمن طويل إلا خيار دعمها, على حساب كل شيء آخر... اعتبار هذا الخلاف أولويتنا لن يجعل الهواء أكثر نقاء, ولا السجون أقل وحشية, ولا الطرقات أكثر أمناً, ولا الكهرباء أفضل, ولا الفساد أقل ولا الاستهتار بدماء الفقراء أصعب.

هل كان ضروريا أن تغرقنا النفايات العابرة لأحزابنا وطوائفنا لنعيد النظر بأولوياتنا؟
هل كان ضرورياً أن تمر عشر سنوات لنرفع شعارات المحاسبة ولنرى أنه ربما بإمكاننا, بخطى صغيرة, إنتاج سلطة بديلة أثبتت وجودها في ساحة الشهداء؟

قد لا يكون هذا رأي خصمي مناصر حزب الله, لكنه بالتأكيد رأي علي الذي أعطته التظاهرة سبباً لغض النظر مجدداً عن مشروع الهجرة إلى السويد التي سبقته إليها عائلته.

أما ليلي, ومشروع جواز سفرها إلى مستقبل أفضل, فمثلما يقول علي: "لها بيروت, تهديها مرة كل عشر سنوات يوماً, يكفيها, يجعلها تبقى, وتسعى, وتحلم, وتعلم كم بإمكانها أن تكون جميلة الحياة هنا".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.