الطفل الغريق!
العالم ليس مثاليا ومليء بالفظائع التي ليس بمقدور أي شخص أو حكومة إيقافها. هذا صحيح بحيث لا يمكننا القضاء على كل القتلة والجرائم في هذا العالم. ولكن هناك مآس وشرور يمكن تجنبها بالقضاء على مسبباتها. الطفل السوري الغريق على الشاطئ التركي التي هزت صورته العالم لم يكن من المفترض أن يموت لو تم القضاء على نظام الأسد مبكرا.
آلاف الأطفال والأبرياء غيره كان المفترض أن يكونوا بيننا لكنهم الآن في قبورهم.
الملوم في المآساة السورية ليس الأسد ولا ملالي طهران أو حزب الله، فالمجرمون لا يلامون على جرائمهم. الملوم حقا هي القوى الغربية وعلى رأسها أميركا، ليس لأنها سببا في المآساة ولكن لأن المسؤولية الأكبر تقع عليها لأنها الأقوى والأكثر تقدما و تحضرا. لم يكن صعبا على هذه الدول التي أسقطت طغاة ومستبدين عتاة أن يقضوا على ديكتاتور صغير و ضعيف كالأسد.
البوصلة الأخلاقية لدى الغرب فيما يخص القضية السورية ضائعة تماما، وكأن القتلى مجرد دمى وليسوا بشرا. المسألة ليست عاطفية ولكنها أخلاقية وإنسانية. الغرب مثل دائما مصدر العلم والثقافة، وغياب حكوماته عن نصرة المدنيين من المجازر يضرب في صميم أخلاقياته و قيمه ويدخل العالم كله في فوضى أخلاقية ونفسية.
لضياع هذه البوصلة الأخلاقية سببين رئيسيين. السبب الأول اسمه أوباما الذي امتنع بعناد عن مساندة السوريين، وعارض كبار أعضاء إدارته المؤيدين للتدخل و حماية المدنيين من عمليات التطهير المنظمة. أوباما ليس عديم الرحمة و لكنه رئيس منظر من الدرجة الأولى، ولا يتوقف عن الخروج بنظريات جديدة عن عواقب التدخل على الرغم من الزيادة المهولة لعدد الضحايا. شخصية الرئيس تؤثر على الشعب وهذا ما حدث للشعب الأميركي الطيب الذي تأثر فعليا بالأوبامية، فأصبح يهتم بمواضيعه الشخصية المهمة ويتجاهل ما عداها حتى لو كانت مجازر جماعية أو أطفالا غرقى.
أما السبب الثاني، فهي الصحافة الغربية وخصوصا الأميركية التي وفرت كل الحجج التي تحتاجها الادارة لعدم التدخل، وأقنعت الشعب الأميركي بالتفرج من بعيد عبر التخويف من تجربة العراق. لا أحد يشك في احترافية الصحافة الأميركية ولكنها فقدت عمليا روحها في القضية السورية بشكل وقح في بعض الأحيان. حتى عندما أراد الرئيس أوباما ضرب الأسد بعد أن تجاوز الخطوط الحمراء، الصحافيون هم من هاجمه وشنع عليه.
طغيان هذا النوع من القيادات المنعزلة، وبصعود الصحافة المغرورة والجماهير غير القادرة على التعاطف، لا يمكن لأي قوة خير إغاثية أن تتشكل في المستقبل حتى في حق أطفال تتقاذفهم أمواج المحيط!