الطفل الغريق.. والواقع الأليم

عادل الكلباني
عادل الكلباني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

لا أشك أن عينك قد تبرقت ملياً ترقب صورة الطفل السوري الذي ألقت به أمواج البحر إلى شاطئ الأمان، وشاطئ الأمان هذا ليس ما تظنه من يد حانية، أو مستقبل زاهر، أو صدر حنون، بل هو أعظم من ذلك، هو رحمة أرحم الراحمين، إذ عجزت رحمة غيره أن تسعه، أن ترحم ضعفه، وتعطف على طفولته!

صورة الجسد الصغير الملقى على رمل شاطئ البحر أشعرتني أنها وصلت إلى حيث يجب أن تصل، فقد عزّ الرحيم في عصرنا هذا، وصارت الأشلاء الممزقة، والأنفس التي تُحرق حية، والحزام الذي ينسف العدد الكبير ممن لا ذنب لهم، ولا ناقة ولا جمل في قضية المتحزّم به، الناسف لجسده ولأجسادهم، والمشهد الذي يصور رجلا مقنعا يمسك برقبة آخر فيذكيه كما تذكى الشاة في يوم أضحية، وغير ذلك مما يندى له جبين الإنسان، أي إنسان، مهما كان دينه، هكذا ينبغي، لهذا لم أقل المسلم، المسلم الذي جاء دينه عاصما للدماء، صائنا للأعراض، جاعلا الكلام في ظهر المسلم غيبة، من كبائر الذنوب، فكيف بقتله، كيف بتجاهله واليد تملك إنقاذه؟

في الإسلام قيم ومبادئ غابت، بل غُيبت، في زمن تصادمت فيه المصالح، وتقاتلت فيه الأطماع، وليس وقودها إلا أشلاء أمتنا جسدا وقيما وكرامة وعزة وأمنا واستقرارا!

وقف أيها المنصف لتستمع، إلى صوت الحق، وصوت العدل، في وصية من وصايا الحبيب، صلى الله عليه وآله وسلم، يصدح بها على مسامع الدنيا كلها، فتنقل عنه عبر أثير الزمان، لتسطر في سجل حقوق الإنسان، حقوق الإنسان حقيقة لا زيفا، فكم تشدق بها من أناس، فما رعوها حق رعايتها، وحملها أناس كانوا في الحقيقة يسعون إلى حقوق أنفسهم، لا إلى حقوق غيرهم، ولا يحتاج إثبات هذا إلى دليل، فدليله واقع ملموس، مشاهد ومحسوس، هو عين اليقين لكل مبصر، وحق اليقين لكل عاقل، وعلم اليقين لكل باحث عن الحق.

تشهد به سيول من دماء المظلومين، تجري أمام أعين الناس، كل الناس، فلا يرف لدعاة حقوق الإنسان جفن، ولا تدمع لهم عين، ولا يقشعر لهم جلد، لأنها دماء مسلمة، وأعراض تنتهك، وحقوق تسلب، ومساجد تهدم، وجلود تمزق، وجوع يمزق أمعاء الملايين، وسياط تلهب ظهور المواطنين، في أصقاع شتى، حتى حُبس في بعض البلدان ذلك الإنسان، ليس له ذنب إلا أن يقول ربي الله! حبس في الصحراء يلتحف السماء الباردة، ويفترش الأرض القاسية، وتقاذفته أمواج البحار وهو يفر بجلده هاربا من الظلم المحيط به، في وطنه، ومسكنه، وأرضه، فيجازف، ويواجه الأخطار واحتمالات الهلاك بكل صورها غير المتوقعة، والمتوقع منها، يأمل في أن يبيت آمنا، ويلقى لقمة تسد رمقه، وتسكن جوعه، وبيتا يؤويه، لا يسمع معه أزيز الطائرات، ولا انفجار البراميل، ولا قصف الصواريخ، ولا ينتظر معه سقوط السقف المتهرئ فوق رأسه، فيدفنه في الركام، حياً.

لكنه هرب من المجهول إلى ما هو أجهل منه، إلى أمواج وظلمات، إلى أكف تلقته بالترحاب، لكنها شبيهة بأنياب الليوث إذا تبسمت، فرحة بصيدها الثمين، منتظرة فرصتها النادرة للنيل منه، من دينه، ومن عقيدته.

قد يقول قائل نعم، هم لم يريدوا أن يستقبلوه - إن فعلوا - إلا ليغيروا دينه، ويفسدوا عليه آخرته، حسنا، فما فعلت له أنت لتحفظ له دينه، وتحفظ له أمنه، وتحقن دمه، وتصون عرضه؟

إن التنظير منا قابله العمل منهم، وقد قال الأول :

إذا لم يكن إلا الأسنّة مركبا

فما حيلة المضطر إلا ركوبها

وكم هو مؤسف، ومخجل في آن، أن تُصمّ وتبكم المنظمات التي يعلو صراخها عند تنفيذ قصاص أو حد من الحدود الشرعية، رأفة بالإنسان المجرم، القاتل، ورعاية لمصالحه وحقوقه، ورعاية لنفسيته، حتى ألغوا حكم الإعدام جملة في بعض الأقطار، ثم لا تلحظ لأعينهم أثرا من دمع، ولو كمثل دموع التماسيح، على طفولة تقتل، وأحلام تخنق، وامرأة طالما حملوا راية الدفاع عنها، يتركونها تواجه كل الآلام وحيدة، خائفة، مشردة، أرملة، فقيرة، مستضعفة، عرضة للهلاك، والاغتصاب، فلا يحركون ساكنا، ولا يسمعون صارخا، ولا يشعرون بأنين الثكالى، ولا بآهات المستضعفين، ولا تهزهم صرخات أطفال أرعبتهم صواريخ دعاة الحق والديمقراطية! ومزقت طفولتهم جرافات المحتل، أو الظالم ترمي بجثث القتلى في مقابر جماعية، وقد كانوا يزعمون أنهم يريدون لشعبنا المسلم العدالة والحرية، فإذا هم يستبدلون طاغوتا بطاغوت، ويصرون على بقاء طامع في السلطة، يدفع ثمن كرسيه دماء طاهرة وأنفسا زاكية، وأموالا كان من المفترض أن تكون لحمايتها، وأن تنفق لرفاهيتها!

وما اختلف المقتول في كل الأحوال والأماكن والأزمنة، ولكن سبب القتل مختلف، والموت هو الموت، وصلبت على أشلاء أمتنا المبادئ والقيم الإنسانية.

واعذرني أيها القارئ إذ استطردت، فقد جعلتني هذه الوصية النبوية أعيد تحسس الجرح الغائر في جسد الأمة، لا زال ينزف دما وصديدا، حتى تعودنا على الألم، وأصبحت فئام من قومنا تلومنا حتى على الألم، نعم، لقد استكثروا علينا حتى الألم، والقاتل يبكي، لا على إزهاقه روح القتيل، بل على خسارته الرصاصة التي مات بها المقتول ! ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون.

صورة الجسد الطفولي المسجى على ضفاف ذلك الشاطئ، جديدة في المظهر، قاسية في التعبير عن واقع أليم تعيشه أمتنا، قد صار الضعف فيه عنوانا بارزا، وباتت النخوة عزيزة الوجود، معدومة التأثير، فما يلبث الناس أن ينسوها، فقد نسوا مثلها وأكثر، لتثور ثائرتهم عند مشهد، أو صورة أليمة أخرى .

ولنا أن نسأل أولئك الذين أقاموا الدنيا وأقعدوها وهم يستنكرون قتل شارلي، ويقولون (كلنا شارلي) ويقفون بكل وسائل الإعلام، وفيها، ومعها، دفاعا عن حرية التعبير، وحقوق الاستهزاء والسخرية من المقدسات - طبعا المقدسات الإسلامية - لنا أن نسأل ما بال هذه الأصوات قد خرست، وما بال تلك الآذان قد صمت، وما بال تلك الأقلام قد جفت؟

إني لا أستنهضها لتشعر، فهي لا تشعر، لكني أستنهض أمة سهل عليها الهوان، فتركت بضعة منها، فتخلت عنه، وظلمته مرارا، حيث كانت تعلم أنه يعاني الظلم والطغيان، ثم ظلمته أخرى حين عابت عليه أن ثار ضد الظلم والطغيان، وها هي تظلمه مرة ثالثة وهي تلومه على جرحه النازف، وتتركه ينزف وبيده الشاش، وبالأخرى العلاج!

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط