من المحرج أن تكون عربيا هذه الأيام

ممدوح المهيني
ممدوح المهيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

ماذا يحدث للعرب؟
هذا هو السؤال الأكبر الذي يطرحه العالم كله اليوم. داعش نبتت في بلاد عربية ومؤلفة من عناصر عربية وضحاياها عرب أيضا. المهاجرون الذي يغرقون في عرض المحيطات عرب. الجيوش بدل أن تحمي المدنيين تقوم بقتلهم بواسطة البراميل المتفجرة والغازات السامة. زعماؤهم بدل أن يتم تكريمهم ينبشون من الحفر وأنابيب المجاري ويهانون ومن ثم يشنقون. ولا ننسى أن أكبر زعماء الإرهاب في العقدين الأخيرين كانوا عربا. بن لادن، والظواهري، والزرقاوي، و أخيرا "الخليفة" البغدادي.

صورة الطفل السوري آلان كردي ميتا على شاطئ تركي كشفت الصورة على حقيقتها، وجعلت الكثيرين يشعرون بالحرج من كونهم عربا. اللاجئون العرب الوحيدون الذين يرسمون البسمة على وجوههم وهم يغادرون بلدانهم.

العرب واقعون في أزمة حضارية كبيرة، ولكنهم يطرحون السؤال الخاطئ دائما وهو: من فعل بنا هذا؟ الذي يقود بشكل طبيعي إلى عقد الاضطهاد والارتياب وإلقاء اللوم على الآخرين كالاستعمار سابقا وأميركا والغرب حديثا. في المقابل كل الشعوب التي مرت بأزمات مماثلة، كاليابان مثلا، طرحت السؤال الأهم والأكثر نفعا وهو: ما الخطأ الذي ارتكبناه؟ أو كيف ورطنا أنفسنا إلى هذا الحد؟ هذا السؤال يقود إلى نقد الذات ومعالجة مكامن الأزمة الحقيقية التي تعود كلها إلى ثقافتهم.

انسَ الاقتصاد، والسياسة، والجغرافيا، والتاريخ. كلها مجرد أسباب ثانوية. المشكلة في الثقافة التي تملأ العقول. الجغرافيا السيئة لم تمنع سنغافورة من النهوض، والتاريخ القصير لم يقف بوجه أميركا لتكون الدولة الأقوى في العالم. الثقافة هي أم كل المؤسسات. تشكل أدمغة الناس وتذوب في وجدانهم وتصبغ سلوكهم. هذا ما يقوله الكاتب لورانس هاريسون أحد أكبر المؤمنين بأن أمراض الشعوب وعلاجها يكمن في الثقافة. هاريسون نفسه ليس مجرد كاتب متخصص ولكنه مجرب وخبير، فقد عمل ضمن مشروع التنمية المخصص من قبل الحكومة الأميركية لتنمية عدد من البلدان في أميركا الجنوبية. بعد عمر وتجربة طويلة يستخلص هاريسون حكمته الأخيرة حيث يقول "من الصعب النجاح إذا لم توجد ثقافة تدعمه".

هذا صحيح. من دون ثقافة الحرية تتحول الديمقراطية إلى نظام قمعي كما حدث في العراق. ومن دون ثقافة للتسامح والتعايش يتحول الدين من تعاليم لغرس الأخلاق الرفيعة والقيم الحميدة إلى منصة لإطلاق فتاوي التكفير والقتل. ومن دون ثقافة الأمانة والنزاهة ينتشر الاحتيال والخداع. ومن دون ثقافة التعاون والمشاركة يتنازع الناس على أتفه المناصب. ومن دون ثقافة الإنتاج واحترام القانون ينتشر الفساد وتكثر الشكاوى. ومن دون الثقافة العلمية العقلانية يزدهر الدجالون ودعاة الجهل.

عناصر عديدة تشكل الثقافة لدى كل الشعوب. التعاليم الدينية مكون أساسي لمزاج الناس وثقافتهم حتى في المجتمعات العلمانية. قيم الكد والعمل وجمع الثروة كانت هي الأسباب الأساسية التي دفعت البلدان البروتستانتية على التفوق على نظيرتها الكاثوليكية، التي دعت أتباعها للاهتمام أكثر بالعالم الآخر، والزهد بالحياة الدينا.
الثقافات التي تشجع على كراهية الحياة، من المستحيل أن يبرع أبناؤها في بنائها.

كل شيء يفقد معناه إذا كانت الحياة بلا هدف ولا قيمة، وهذا ما يفسر تحول موجة الأطباء إلى انتحاريين. التفكير غير العقلاني سيخرج بلا شك المؤمنين به من منطق العالم الذي نعيش فيه، وهو عالم قائم على احترام العقل والعلم.

كيف تنظر الشعوب إلى المستقبل، يحدد بشكل أساسي مكانها في العالم. الثقافة التي تقول إن الأفضل لم يأت بعد، والعصر الذهبي في المستقبل، تشغل محركات قوية تدفع الناس إلى الأمام. هذا على العكس من القيم التي تؤمن بأن المجد في الماضي وأن القادم أسوأ، والبشر يزدادون فسادا وتفسخا. احترام الحقائق العلمية مكون إيجابي لثقافة تدعم النجاح لأن الناس سيأخذون بالأسباب العلمية للازدهار والتفوق. لا يمكن لأي شعب أن ينجح وهو يتجاهل الحقائق العلمية ويصدق بعض المدعين ممن يروجون أن خلطاتهم العشبية تعالج أمراضا، مثل السرطان والإيدز!

وجود قيم أساسية في الثقافة مثل الصدق والتعاون والثقة ضرورية للتقدم. انتشار ثقافة الأكاذيب والخداع والاستغلال سيحول الناس إلى وحوش تنهش بعضها ولا يمكن لها أن تتفق على شيء واحد. هذه القيمة مرتبطة بقيم الابتكار والتطور الذي يعد ماكينة الشعوب المتغيرة، والقائم بشكل أساسي على التعاون. في الجامعات الغربية، المنجزات العلمية تنتج بعد عمل طويل لفرق كاملة مع المختصين والباحثين وليس عملا فرديا. الغياب الكامل للثقافة الإنسانية ستجعل الناس منقسمين وممزقين وهم يصنفون الآخرين بناء على طوائفهم وأعراقهم وليس لقيمتهم كبشر لا يجوز التعدي على كرامتهم أو ظلمهم.

من دون أن تتغير الثقافة ذاتها من الصعب تخيل أي حل ومخرج للأزمة المعقدة إلا بمعجزة لن تحدث أبدا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط