التقنية... إذ تهشّم القيم وتسرق حريّة الإنسان!

فهد سليمان الشقيران
فهد سليمان الشقيران
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

مع كل موجة تقنية تعود أسئلة الحصار الوجودي الذي تمارسه هذه الصراعات علينا، وكل تقنية ننبهر بها هذه السنة، تدمّر وهجها ثورة أخرى في النسخة الإبداعية بالسنة التي تليها. وهكذا تتقاذف الإنسان موجات تقنية مهولة، بكل ما تحمل من مضامين عظيمة، ومن حصارٍ مقلق، ومن إدمانٍ يبدد الوقت بشكلٍ بات يؤرق الكثيرين ممن لديهم اهتمامات وهوايات علمية أو عمليّة!

بالأمس أعلنت شركة "آبل" الأميركية عن أحدث نسخة من هاتفيها وفي شرح جديد التقنية فإن الجهازين يعملان برقاقة Apple A9. المعالج يعمل بشكل أسرع بنسبة 70% من الإصدار السابق A8 وبقدرة 64 بت، بمعنى أنه أسرع بنسبة 90% في معالجة الرسومات والتصاميم والغرافيك، هذا إلى جانب معالج M9 الذي يساعد على تفعيل خواص ساعة آبل لتتبع المستخدم وحالته الصحية.

وعلى الرغم من كل الفضائل الكبرى التي تفيد الإنسان من هذه التقنيات في وجوده، وعلى يومياته، والوصول إلى المعلومة والمراسلة السريعة، غير أن لتلك التقنيات نتائجها المرعبة وأسئلتها المخيفة، ذلك أن التطوّر التدريجي قد يفقد الإنسان قيمته العملية الذاتية كما كتب الأستاذ ممدوح المهيني في هذا الموقع بمقالته (إنسان آلي يصنع 350 همبرغر:27 أغسطس 2015).

حين تتفجر التقنية عن آلات تقوم بنفس إبداع الإنسان من دون الحاجة إلى الكلفة العالية التي يتطلبها العوض المادي لعمل يديه، حينها يكون في وضعٍ بائس وقاتل إذ يوشك أن يكون موظّفاً في صرعة التقنية، بدلاً من كونها طيّعة بين يديه تدار من قبله ويديرها ويوظّفها في منتجاته وأشيائه الإبداعية وسواها.

لم تخربط التقنية العلاقات بين البشر، أو تهشّمها أو تغير آليتها فقط بل غيّرت جمعاً من العلاقات والتعاملات. يطيب للبعض أحياناً أن يكون وحيداً منعزلاً لكن مع اشتراكه ضمن جموعٍ في المحادثات والنقاشات، ويفضّل مع الوقت هذا الاشتراك على اللقاءات البشرية الرسمية والضوضاء المصاحبة لهذا، وهذا الخطر ليس التجلي الوحيد لتلك التحولات، بل ربما أعادت التقنية أساليب علاقات الإنسان برزقه وعمله.

وبالعودة إلى الطرح الرصين لـ"آلان تورين" في كتابه المهم للغاية: "براديغما جديدة لفهم عالم اليوم" فإنه يشير إلى تحوّل واضح في القرن الحالي قد يصل حدّ القطيعة بين "النظام، والفاعلين" معلناً عن تكوّن تصور مختلف للحياة الجماعية وللحياة الشخصية.

آلان تورين يعتبر أهم الأزمات وأشدها وضوحاً "ضمن التحولات" تلك التي تتعلق بمكانة العمل في حياة كلٍ منا، فتقليص أسبوع العمل، وزيادة عدد أيام العطل، وتمديد زمن التقاعد كلها مواضيع قادت العديد من المحللين إلى الحديث عن "نهاية العمل" وبشكلٍ واضح يقول: "إن حياتنا التي طغت عليها ردحاً طويلاً من الزمن مشكلة الإنتاج وضرورة البقاء يغلب عليها اليوم هاجس الاستهلاك والاتصالات". ثم يحذّر: "لكم هو محزن أن يستمع المرء إلى الاحتفال بنهاية العمل... حين يرى كفاءته تفقد شيئاً من قيمتها بفعل ظهور تكنولوجيات جديدة".

من حق الشركات أن تعتبر منجزها عظيماً، ذلك أنه جزء من تكوينها وعملها وربحها وإنجازها، غير أن الإنسان حين يغرق بهذا التمجيد حد العبودية للتقنية يفقد خصائصه ومميزاته، إذ بات المرء متوكّلاً على الأجهزة التي تحيط به، ضعفت ذاكرته وتحطّمت بسبب الاضطرار إلى الاستعانة التقنية المطلقة، ونسي جمال الخطّ باليد بسبب الارتباط بالأحرف الإلكترونية، وفشلت علاقاته الاجتماعية بسبب قلة التلاقي بالآخرين، وإهمال "الآخر" بوصفه ضرورة ولابد منها ومن الاحتكاك والصراع مع أصناف البشر، فالغيرية جزء من الذاتية، والآخر ضرورة حسب التعبير الهيغلي، والتقنية خدعة وجودية هي ربما أقبح خدعة في القرن الحادي والعشرين.

ثمة نستالوجيا عارمة، وحنين صارخ، ورغبة جارفة للعودة إلى الهاتف القديم، والذي كان هاتفاً عقلانياً، سلك هاتفي بجهازٍ من شركة الاتصالات، يستعين أهل البيت كلهم على قضاء أعمالهم من خلاله، كان مفيداً للغاية، وعبره تدار الصفقات وتستذكر الدروس الصيفّية، وتتصل العائلات، وتبرم المصالحات وتسوّى المصالح. وأعرف أستاذاً لي في الجامعة لا يزال يستخدم هذا الهاتف الثابت مضرباً عن تقنية الهاتف الجوال بنسختيه "الغبية" القديمة "والذكية" الحديثة، ولم تفلح محاولات ثنيه عن هذا الإضراب منذ خمس عشرة سنة وحتى اليوم.

هذا التطوّر المهول للتقنية الاتصالية بين أيدي الناس أثّر وسيؤثر مستقبلاً على القيم والأخلاق، حيث انتشرت قلة الأدب وسوء الخلق وفجاجة القول والاغتباط بالجهل والفرح بالتجهيل المنظّم الذي يحرسه فراغ التقنية المملوء بالحمق والأفكار الخداج غير المخلّقة.

تصاعد التقنية يأتي على حساب طاقة الإنسان، ذلك أن التفريغ الممنهج الذي تمارسه التقنية ضد وقت الإنسان وحيويته الوجودية، واهتمامه العائلي، والصدق في التفاعل مع المناسبات والصداقات كله يأخذ من عمر الإنسان ومن رصيد قيمه ومن معدن الصدق الحقيقي، ليعمم الزيف، والابتسامات الإلكترونية، والتباريك الآلية، والتحايا الرقمية، والمعايدات الجماعية الفارغة الكاذبة. وسيأتي اليوم الذي يتحوّل فيه الإنسان إلى طبل أجوف يسير بلا عقل أو ذاكرة أو فضيلة بسبب تهشّم القيم وانهيارها وتبخّرها.

كما تجفّ البحيرات والأنهار، ويندر الماء، ويتنامى القحط، وتتعالى الأصوات المنادية بالانتباه لخطورة العطش والجفاف واللهاث كالسباع والأنعام في البريّة، وكما يحدد عمر النفط ... فإن انهيار القيم الإنسانية قد تحدد بزمنٍ مع انصياعه وعبوديته الفجّة للتقنية وتلاشي إضرابه ولو مؤقتاً عن سحرها ومقاومة موجها.

لابد من نشر حالة من الهجاء للتقنية لا للتعامي عن فضائلها وما تعيننا عليه علماً وعملاً، بل لما تسببه من أضرار ذاتية، وأنماط سلوكية، ورثاثةٍ وجودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط