تأملات ومشاهد على هامش حراك 'طلعت ريحتكم'

منى فياض
منى فياض
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

يبدو أن تظاهرة 29 أغسطس، تحت شعار “طلعت ريحتكم” صارت الرمز الذي يشملنا جميعا. إنها “ريحة لبنان” انتشرت وزكمت منطقة المتوسط على ما يبدو. هذا ما نقل لي حرفيا: “طلعت ريحتكم” بمعناها الحرفي أي رائحتنا جميعا. فأن يعجز تدبر أمر “زبالته” لهو أمر غير مسبوق. معظم الكائنات الحية تتدبر أمر التخلص من فضلاتها. لي صديق مصري أدهشني مرة عندما قال لي إنه يحب بيروت لأنها نظيفة مقارنة بشوارع القاهرة، أو غيرها من بعض المدن العربية.
تضررت صورتنا كثيرا وتغيرت وربما هذا ما صفع اللبنانيين وأعادهم إلى وعيهم الشقي. أين صرنا؟ ومن أنزلنا إلى هذا الدرك؟ وكيف نقبل أن نغرق في زبالتنا؟

عندما تأخرت طائرة الميدل إيست في عمان عن موعدها، الأمر غير المعتاد، علّق موظف في المطار قائلا: خذوني عندكم كي أساعدكم على تنظيم أوضاعكم! هذه الملاحظة تلخص النظرة المستجدة للبنان العاجز واللبنانيين. هذا بالضبط ما أغضب وأهان الآلاف من اللبنانيين. فكانت تلك التظاهرة التي أرادت، أولا، تصحيح الوضع، والعمل على استعادة الوطن كما يجدر به أن يكون.

سنحاول قراءة سلوك اللبنانيين في تلك التظاهرة وما تلاها عبر بعض المشاهد المعبرة.

لقد أعادتنا تظاهرة السبت إلى لحظة انتفاضة 14 آذار وما تلاها. جمهور مدني متنوع، سلمي ومتحضّر يحافظ على النظافة وعلى الممتلكات العامة. لاقته الأجهزة الأمنية بلفتة ذكية بإرسالها جنديات لطّفن في وجودهن وفي لباسهن العسكري من سلوك أجهزة الأمن الذكوري العنيف الذي ساد تظاهرة يوم السبت 22 أغسطس. مشاركتهن أكدت على دور المرأة الموجودة على الضفتين بصفاتها الأنثوية الإيجابية. هي لمسة حملت تأكيدا للمساواة ودعما لدور المرأة. شارك قسم منهن في حفظ الأمن والنظام، وقسم آخر في التظاهر لتحقيق مستقبل أفضل للوطن بمشاركة أطفالهن، إما لتشريبهم جرعة من المواطنية وتمرينهم على حرية التعبير، وإما لأنهن لم يجدن من يحرسهم. وهذا إحساس مضاعف بالمسؤولية في الحالتين. ومن هنا جاء انطباع صديقتي بأنها فضّلت النساء المتظاهرات على الرجال، فقد تأثرت من مشهد السيدة التي أمسكت برضيعها وانتحت به جانبا لتقوم بإرضاعه قبل العودة إلى التظاهرة. كأنها تقول هذا البلد لي ولطفلي ولنا جميعا، وليس فقط للشبيحة وللمستقوين علينا بمختلف الطرق والوسائل.

مظاهرة أحدثت شرقطة في الجو، وغيّرت طبيعة العلاقة بين الجمهور ومن يحكمه، مطلقة طاقة إيجابية ستحدث تغييرا جذريا مهما بدا مساره طويلا. ولا حاجة لاستعجاله ودفع الأمور نحو التسرع والعنف. التغيير من ضمن المؤسسات كي ينجح ويدوم. فالجميع صار يخاف من الثورات العنيفة وما تجلبه من دمار. “ثورة ما بقى بدنا” تتكرر على الأسماع.

لهذا صارت جميع الكتابات ممكنة؛ حتى شعار “أراقب فقط”؛ ربما رفع للتعبير عن التخوف والحذر. ربما هذا ما يعلل ابتعاد البعض عن الضجيج فاقترب من الآثار حيث لا شيء سوى الصمت. صوت الصمت الذي التف حولهم في جلوسهم على بعض حجارتها العتيقة التي بدت كأنها بانتظارهم منذ أزمنة بعيدة. صمت مثقل بحكمة التاريخ العابقة والمحمّلة بالرسائل الرمزية: من ابتكار الأبجدية، إلى حماية الشرائع، إلى مقاومة الغزاة على أنواعهم. وكأنهم أرادوا أن يطمئنوا أنفسهم بأنهم سيكونون على قدر المسؤولية المنتظرة من أحفاد هؤلاء. تبادل للنظر بعيون مفتوحة تعي أنها لحظة لترقب التاريخ الذي يترقبنا، تلقوا الصدى الذي حملته الحفرة وآثارها. الشعب أكبر من مكوناته ومن حكامه.

لكن الصورة لم تكن دائما على ما يشتهي “المواطن” إذ كان يجب اختتام هذا اليوم التاريخي الذي سجّل أول ظهور للمجتمع المدني في استرجاع دوره من عمدة النظام المحاصصاتي ونفاياته، بتوقيع عنفي بدا هزليا وخارجا عن السياق لإصراره على تكرار حركات القفز والرقص مع رمي مواد مشتعلة ومحاولة تحطيم الحواجز.. بدا كأنه حركة فولكلورية لبضعة شبان، هناك من يقول عنهم غاضبون، وهناك من يسميهم بالمندسين أو بالخارجين على القانون أو المدمنين. لا تهم هنا لا التسمية ولا صحتها ولا كونهم ضحايا أو جلادون؛ إذ بدوا كمن يقوم بدور، برقصة تشبه رقصات الشعوب البدائية حول النار. طقس بدائي أو وثني يحيل إلى نوع من ربط نزاع من قبل جهة ما لا تريد للأوضاع أن تتغير لأن في ذلك ضرب لمصالحها.

مشهد آخر ذلك الذي رافق حادثة إيقاف بث تلفزيون “أل بي سي” بعد وضع صورة السيد حسن نصرالله مع صور الزعماء الفاسدين. اعتبر حزب الله وجمهوره أن وضع صورة نصرالله إلى جانب صور الزعامات المسؤولة عن تردي الوضع فيها مس بالطائفة الشيعية. من المسموح وضع صور الوزراء والنواب وأي شخصية يريدون. لكن السيد خط أحمر، وفي هذا الكثير من المغالطات.

أولا أن من يمثل الطائفة الشيعية، رسميا ودينيا، هو المفتي.

ثانيا كنا انحنينا أمام هذا المنطق لو أن نصرالله يتصرف كرجل دين، كالبطريرك أو كمحمد حسين فضل الله، رحمه الله، ولا يتدخل في الشؤون السياسية. لكنه يعلن تجنده خدمة للولي الفقيه خامنئي، وهذا الأخير إيراني الجنسية والمصالح بما يتناقض بوضوح وبإلحاح منه، مع مصالح الأمة العربية بما فيها لبنان. ويتصرف السيد أيضا كقائد عسكري لجنوده المقاتلين في سوريا. كما أنه يرشح من يرضيه لرئاسة الجمهورية، ويمنع انتخاب من لا يخدم مصالحه وأجندته.

فهل يمكن أن يمثل “الطائفة الشيعية” هكذا ككتلة صمّاء؟ في حين يبدو بوضوح أن نسبة مهمة من هذه الطائفة لا توافق على هذا التمثيل. فماذا سيفعل حزب الله بهم؟ يخرجهم من “طائفته الشيعية” الخاصة به؟

مأزق اللبنانيين ومأزق حزب الله في حربه على الشعب السوري صعب ومن دون أفق. لذا من مصلحة الطائفة من ناحية، ولحفظ خط رجعة للحزب وسيده من ناحية أخرى، الفصل بين الطائفة ككل والسيد وحزبه. لكن هذا أيضا يبدو خارج المنطق، لأن الحزب يختبئ خلف الطائفة ويحتمي بها لتبرير التدخل! فهل لهذه الأحجية من حل؟

وهذا ما يأخذنا إلى المشهد الختامي، والذي هو نتيجة حرب الإبادة السورية ولحزب الله ومرجعيته المذهبية فيها نصيب وافر.

صورة الطفل إيلان التي هزّت ضمير العالم “آنيا”؛ الذي بدا حتى الآن من دون ضمير. فلماذا استطاعت فعل ذلك؟ ما الذي يتسلل من صورة إيلان الرمزية التي لامست حدود الكونية اللامتناهية؟ إنه انبعاث ذلك الإحساس المؤلم المتسلل، بهدوء، إلى أعماق النفس كي يبقى ولن يزول… إنها الصورة النموذج والمثال لما نتخيّله عن “الطفل” النائم. بدا كأنه طفل أنزلته أمه برقّة كي تسلمه لبياض ملاءة أو لدفء سجادة وثيرة قرب مدفأة. ينام بدعة وبراءة واستسلاما. بدى استلقاؤه طبيعيا ومطمئنا. يرتاح فقط بعد شيطنة النهار التي أتعبته. لكن الغريب في هذا الاستلقاء، وتناقضه الذي سوف يصفعك مقارنة بما تثيره النظرة الأولى الخاطفة، أنه على حافة الشاطئ بين الرمل والماء. هذا الماء الذي بتموّجه لا يأبه لحرمة النوم، لكنه مع ذلك لا يوقظه؟ تخرجنا حركة الموج من غفلتنا الأولى. الماء يتحرك، ولكن الطفل جامد على غير عادة الأطفال على الشواطئ. فما الذي منعه من أن يستفيق مذعورا من برودة الماء وملامسته لجسمه الصغير الذي ظل ملتصقا به وعاجزا بانتظار من سيتلقفه بيديه كي يأخذه بعيدا عن حضن هذه البرودة إلى حضن موته الصقيعي، حيث لن يعرف بعد الآن دفء الذراعين اللذين أفلت منهما للتو!

*نقلاً عن صحيفة "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.