وحدات وانفصالات وإصلاح

حازم صاغية
حازم صاغية
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

طرحت حركة الاحتجاج المطلبي التي انفجرت قبل أسابيع في لبنان سؤالاً في غاية الأهمية: هل يمكن الإصلاح في ظل الطائفية ونظامها اللذين يحولان دون نشأة القوة الشعبية الموحدة التي لابد منها لفرض الإصلاح؟ وكان انقلاب الثورة السورية، وكذلك الثورة الليبية، إلى نزاع أهلي مفتوح، قد أثار هذه المشكلة نفسها. وقبل الثورتين وبعدهما، نمّت أوضاع العراق وانقساماته عن أمور مشابهة لم يُستبعد معها طرح فكرة التقسيم.

هكذا باتت مراجعة هذا الإشكال الكبير بقدر من الرويّة موضوعاً مُلحاً.

فمن الصعب جدّاً، والحق يقال، كسر الإطار الوطنيّ للاجتماع اللبنانيّ، وهي صعوبة تنطبق على كلّ إطار وطنيّ مشابه كالسوري والعراقي والليبي. فهي جميعها مضت عقود على وحدتها الظاهريّة، بحيث أن ظاهريتها هذه لم تحل دون تقاطعات فعليّة بين أبنائها، في مناطق السكن التي بات فرزها في غاية الصعوبة، كما في أنظمة التعليم والمواصلات وتكوّن العادات والتقاليد.

وفوق هذا فالتجارب التقسيميّة (السودان) وشبه التقسيميّة (قبرص، كردستان العراق) لا تضمن مسبقاً أيّ نجاح يُتخذ مرجعاً حاسماً. فالأكراد تحاربوا عام 1994، بعد أقل من ثلاث سنوات على حكمهم الذاتي، واستعان بعضهم بصدّام حسين وبعضهم بالإيرانيين ضد بعض آخر. ويُخشى اليوم، بمناسبة التجديد أو عدمه لمسعود بارزاني في رئاسة إقليم كردستان، أن تعاود علاقاتهم الداخلية توترها.

وكذلك فجنوبيّو السودان ما إن استقلوا عن الشمال في 2011، حتى انفجرت الحرب بينهم: من جهة، الرئيس سيلفا كير، زعيم قبيلة «الدينكا» الأكبر عدداً، ومن جهة أخرى، نائبه السابق رياك مشار، زعيم قبيلة «النوير» الثانية عدداً. ولئن أمكن مؤخراً، وبعد ضغوط إقليمية ودولية، التوقيع على اتفاق سلام، فالاتفاق هذا لا يزال بحاجة إلى الاختبار والتجريب قبل التأكد من قدرته على الصمود.

ولئن نجحت تجربة قبرص اليونانيّة إلى حد ملحوظ، فهذا لا يحول دون قوّة المطالبين بالعودة إلى وحدة القبرصَين. صحيح أن سكان قبرص الشمالية (التركية) أكثر جهراً في الرغبة باستعادة الوحدة التي انكسرت في 1974، إلا أن سكان قبرص الجنوبية (اليونانية) هم أيضاً لا يزالون يتمسكون بشرعية الوحدة ويتحدثون عن استعادتها.

والمقصود من استعراض التجارب هذه أنّ من المبكر الجزم بما إذا كانت نزاعات ما بعد التقسيم ممرّاً إجباريّاً وعارضاً إلى الاستقرار، أو ما إذا كانت استئنافاً للحروب الأهليّة ضمن إطار أصغر للاجتماع الوطنيّ.

ومع ذلك، يبقى أن الصعوبة الهائلة لكسر إطار الاجتماع الوطنيّ، تقلّ عن صعوبة التغلّب على النظام الطائفيّ وإحداث التغيير من خلال نظام آخر. والبراهين هنا لا تعوزنا، أجاءت من لبنان أم من سواه. فللمرة الألف يتبيّن أنّ إطار الاجتماع الوطنيّ القائم هو الحائل دون أيّ تغيير، ودون أيّ إضعاف للأنظمة القائمة أكانت تتسم بالفساد أو بالاستبداد أو بالاثنين معاً. وهذا، في آخر المطاف، ينطبق على لبنان، كما على سوريا والعراق: ففي سوريا مثلاً، يتولى التماهي بين جماعة أهلية- طائفية وبين السلطة قلب التغيير إلى حرب أهليّة. أما في لبنان، فإن نظام الحصص الطائفيّة هو ما يفعل، براحة وحرّيّة أكبر بالطبع، الشيء نفسه. وفي هذا المعنى يغدو الموقف الجذريّ من التغيير هو نفسه موقفاً جذريّاً من شكل الاجتماع الوطنيّ القائم.

وفي هذه الغضون فإن الشيء الوحيد الذي لا يُمارى في صحّته هو أنّ خياراتنا جميعاً، لبنانيّين وسوريّين وعراقيّين، وطبعاً فلسطينيّين، إنما تتراوح بين السيّئ والأسوأ، فكأنّنا مُطالَبون بدفع فواتير التاريخ المتراكمة علينا فيما نحن أقل تأهيلاً لهذه المهمة من أي وقت سابق.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.