المجتمع وأوهام التميّز التاريخي

فهد سليمان الشقيران
فهد سليمان الشقيران
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

تتداول يومياً مشاهد تعذيب للحيوانات في السعودية، وعلى الرغم من إجراءات نظامية صدرت ضد بعض من قام بأمثال ذلك الفعل إلا أن الجرائم لا تزال مستمرة.

قبل أيام قام أحدهم بقطع ذيل قطة، وفي مشهد آخر ذكّى أحدهم عنق سلحفاة!
تلك القصص لم تأتِ من عوالم أخرى، ولم تلفّق ضد بلداننا العربية والإسلامية، بل نبعت من الناس، من يومياتهم ومن ممارساتهم البسيطة. هناك استهتار تجاه الطبيعة والأشياء تجلت بأقبح صورة في أحداث السياحة من قبل بعض الخليجيين حيث استخدمت الحدائق لحفلات الشواء بشكلٍ مخالف للأنظمة والقوانين، وتباهى بعض الحمقى بتدخين "الشيشة" على ظلّ برج إيفل.

هذا الاستهتار والعبث وكل تلك الدمامة والرثاثة هي صورة لواقع، وانعكاس لبشر، وهي مرآة لمجتمع، صحيح أنه لا يعبّر عنه بأكمله ولكن يعبّر عن جلّه.

من أبرز محفزات هذا النمط السلوكي الفج تلك التربية المنظّمة منذ الصغر على وضع الشخص بجنسيته وقبيلته وانتمائه من أهم من خلق الله على هذا الكوكب، فهو مرفوع الرأس، ويحفظ رزماً من القصائد التي تتغنى بما ينتمي إليه، ليقتنع بكل حمق بأن أحداً لا يستطيع أن يجاريه أو يباريه، فضلاً عن أن يصل إلى مستوى الانتماء الذي يغتبط به ويحرسه ويتباهى به ويتقافز على أساسه في الدول الأخرى باعتباره فوق القانون، فهو في نظر ذاته من أهم الشخصيات الموجودة والمخلوقة على هذه الأرض، بالطبع هو وثلّة من الآخرين الذين ينتمون إليه، كل هذا البناء الهشّ ينهار مع أول ظهورٍ له إلى الخارج إذ سرعان ما يكتشف أنه مثل غيره، مجرد رقم من الأرقام، ومسطرة القانون تضرب رأسه لتسوّيه مع الرؤوس الأخرى وتجعله منصاعاً رغم أنفه للقانون الذي بني على أسسٍ تاريخية امتد بعضها لأكثر من أربعة قرون.

هناك نرجسيّة تتمتع بها المجتمعات التي عاشت سيلاً من الطفرات، تجعلهم يسيرون في الأرض وكأنهم أهل الكمال والتميّز، وأهل التفوّق والعز، وأهل العلم والخير، بل يعتبرون أنفسهم نعمة على الأمم الأخرى، ومن الأقدار الجيّدة والمفيدة لهذا العالم، ويسيرون في الأرض باعتبارهم أفضل من سار عليها، ويبدون – من شدة الاغتباط - ملاحظات على الأمم الأخرى، وتغشاهم شجاعة منبعها الجهل لإيضاح بعض التنبيهات والتنويهات للمجتمعات الأوروبية، ويقومون بسرد توجيهات أيضاً ويجرؤون على النصح وإسداء الدروس والعبر لهم، بينما كل هذا السير في الأرض لا يكشف إلا الانهيار الأخلاقي، والتلاشي القيمي، والتفكك المعنوي، وتهشّم الهوية، ورداءة الانتماء، وعدم الاقتناع لا بالإيمانات التي يحملونها حقّ الإيمان، ولا بالحضارات التي يزورونها وينبهرون بها، فهم عالة على الأرجح، يدخلون البلدان دخول إعاقة لا دخول إضافة.

ثقافة الذبح للحيوانات، هي نفسها ثقافة الذبح للبشر، مع الاختلاف في الدرجة والتعليل، والتوقيت والتسبيب، والآلية والتنفيذ، والجرأة والتحشيد، والقهقهات التي يطلقها أولئك القتلة وهم يرمون الحيوان بنيران أمراضهم تعبر عن ذروة الانحطاط في التعامل مع الآخر والطبيعة والحيوانات الأليفة العادية، ومن ثم يحاضر هؤلاء للناس والأمم عن الأخلاق، ولو رجعوا إلى الدين نفسه لوجدوا في الصحاح والمسانيد العشرات من القصص والآثار المحرّضة على الرأفة بالحيوانات وعدم قتلها في الحرب والسلم. لكن هذه الثقافة الدميمة الدموية الكارثية تعبّر عن رمزية الدم والذبح المكرّسة في النفوس، والذي تقمعه الحكومات والدول، ولولا القوة الأمنية الشديدة لضبط المجتمعات لولا هذه القوة لوجدت الناس ذئاباً على بعضهم البعض.

من الضروري التأمل بالظواهر الاجتماعية وبخاصةٍ في المراحل الكبرى المرتبطة بالتغيّرات النوعية، أو الانهيارات والتراجعات، أو في محطات الانكسارات والخسوف بغية التجاوز والتصحيح، ونقد المجتمعات أمر طبيعي حتى وهي في ذروة نجاحها، في كتابه المعنْون بـ"نيتشه مكافحاً ضد عصره" كتب رودولف شتاينر عن نيتشه الآتي: "عندما وضعت الحرب البروسية أوزارها لم يشارك نيتشه مواطنيه الألمان فرحتهم بالنصر، حتى أنه كتب في عام 1873 في عمله "دافيد شتراوس" عن النتائج "السيئة والخطيرة" لهذه الحرب التي انتهت بالنصر، لقد رأى أنه من الجنون القول بأن "الثقافة الألمانية" قد انتصرت في هذه المعركة وأضاف أن هذا الجنون يمثل خطراً ماحقاً، إذ إن هذا الجنون راح يتحكم في أوساط الشعب الألماني كي يحول الانتصار إلى هزيمة كاملة، إنها الهزيمة التي تحط من قدر الفكر الألماني لصالح الرايش الألماني".

النقد الذاتي أمر حيوي، والمجتمعات التي تغتبط وتطرب يومياً على أغنيات مديحها، وتتقافز على أمجادها القديمة وعلى قيمتها ومركزيتها لهذا العالم هي أمة بائدة، فالمجتمعات والأمم تتكامل ولا تتنافى، وعلينا التعوّد على التواضع وإدراك المثالب والمساهمة المستمرة بغية إيقاف مدّ الانتفاخ التافه على منجزٍ متوهّم، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط