.
.
.
.

لنستمع لصيحة العصر

علي سالم

نشر في: آخر تحديث:

لكل عصر صيحة علينا الالتزام بسماعها وفهم ما تنقله لنا من إشارات ومعان ومعارف. وعدم الاستماع لصيحة العصر معناه أننا أسرى لصيحة أو صيحات عصور قديمة، بمعنى أدق أننا نعيش الأمس بشكل دائم، أى ننتمى للماضى ومحرومون من دخول الحاضر أو الانتقال إلى المستقبل.

عندما كانت الصيحة هى فكرة القومية والزعامات الملهمة الخالدة، كان لابد أن يظهر جمال عبدالناصر، وأن تظهر معه سيادة الأفكار الاشتراكية بوصفها أقصر الطرق لتحقيق قوة الحكم وضعف المحكومين، كان لابد من التأميمات، لا لنقل الثروة من أيدى الناس لأيدى الحكومة، بل لحرمان الناس من كل ما يشعرهم بالقوة، وأهمها الثروة بالطبع. حتى وصل الأمر لتأميم استديو تسجيلات صوتية يمتلكه فنان رائع هو المطرب والملحن محمد فوزى، الذى مات بعدها كمدا وقهرا. ولأول مرة فى التاريخ ظهرت تسمية جديدة وهى «الرأسمالية الوطنية»، تمييزا لها عن الرأسمالية غير الوطنية المتعاونة مع الرجعية والإمبريالية العالمية (كذا). لقد كانت صيحة العصر وطابعه ونغمته الأساسية، ومحاولة استعادة هذا الطابع ونغماته تمشى بنا فى طريق الفشل الأكيد. عصر الزعامة القومية هو عصر الأرقام الكبيرة والمشاريع العملاقة والأحلام العريضة، بشرط أن تظل أحلاما فقط. إنه عصر إرضاء الشارع بالكلمات والألحان والمشاريع والأكاذيب القومية والوحدوية.

إننى أذكّر بكل ذلك لكى أؤكد أن هذا العصر بكل صيحاته قد انتهى. على سبيل المثال.. لا يجب أن نفكر فى مشروع إصلاح زراعى لزراعة مليون فدان، بل علينا أن نفكر فى إصلاح كل الأراضى التى يمكن إصلاحها وضمها لرقعة الأرض الزراعية. فالهدف ليس هو رقم المليون، بل الأرض هى الهدف. عندما أتكلم عن مليون أو مليون ونص فدان فأنا أتكلم عن مشروع مستقل عن أرض الوادى، معنى ذلك هو أن تتفاقم مشاكل أرض الوادى.. سأذهب إلى الصحراء لأحفر مائة بئر أو ألف بئر، بينما توجد على أرض الوادى مائة قرية أو ألف، كل منها فى حاجة لبئر واحدة. أعترف بأن الزراعة ليست حرفتى أو من اهتماماتى، غير أنى أزعم أن مهنتى هى الاستماع جيدا لصيحات العصور، وأشعر بالفزع عندما تقع الناس أسيرة لصيحات عاجزة قادمة من عصور قديمة.

فى سنغافورة ، شاهد الرئيس السيسى كيف يتم العمل فى الميناء، ستون مركبا عملاقة يتم تفريغها وتحميلها يوميا بوسائل ميكانيكية وإلكترونية، فقال لرئيس سنغافورة: نريدكم أن تعلمونا العمل فى الميناء بطريقتكم.

كلمة أن «تعلمونا» هى البداية الفعلية والصيحة الحقيقية لملامح عصرنا. هذه هى المرة الأولى فى التاريخ القديم والحديث والمعاصر التى يعترف فيها رئيس مصرى بأن هناك شيئا على الأرض نجهله، وبأننا فى حاجة لمن يعلمنا إياه. هذا هو ما يجب أن يعترف به المثقفون أيضا، نعم.. نحن فى حاجة لأن نتعلم من الآخرين، كل الآخرين ما برعوا فيه وما جهلناه نحن. الغرب والشرق والشمال والجنوب، كل مكان على وجه الأرض علينا أن نتعلم منه شيئا. لابد أن نشعر بأننا جزء فاعل فى هذا العالم، وأننا شركاء فيه لكل شعوب الأرض، نتعلم منهم ونعلمهم لأن البديل سيئ للغاية.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.