.
.
.
.

من يغلب الآخر: شعب العراق أم سياسيوه

فاروق يوسف

نشر في: آخر تحديث:

سيكون من السذاجة الاعتقاد أن سياسيي العراق سيعترفون بفشل العملية السياسية التي تصدروا واجهتها ونظموا آليات عملها عبر أكثر من عشر سنوات.

يعرفون أن ذلك الاعتراف سيقوّي من شوكة الشعب في مواجهتهم، وهو ما يعني تيسّر سبل إزاحتهم من السلطة، التي هي مصدر امتيازاتهم الخرافية. غير أن ذلك الاعتراف لن يكون ضروريا حين يفرض الفشل استحقاقاته التاريخية التي لا يمكن لأحد أن يمنع وقوعها، لأنها تقع في منطقة لا يفهم أولئك السياسيون معادلاتها، وهو ما سيؤدي إلى لفظهم خارج أي محاولة للإنقاذ.

حاول الكثيرون إعاقة وتأخير الإجراءات التي قام بها رئيس الوزراء الحالي متعكزا على فكرة الإصلاح، متخذين من الدستور الذي قامت على أساسه العملية السياسية حجة لهم من غير أن ينظروا بعين العطف والاحترام إلى رغبة الشعب في التغيير من أجل العيش وهي التي تقع فوق الدستور.

يهمهم الدفاع عن شرعية بقائهم في السلطة من غير أن يلتفتوا إلى الشعب الذي هو مصدر تلك الشرعية. وهو ما جعل أفراد الشعب يعضّون أصابعهم البنفسجية ندما على ما فعلوه حين وافقوا على دستور كُتب في ظل سلطة الاحتلال، وحين استجابوا لنداء المرجعية في المشاركة في انتخابات، كانت الأحزاب قد حسمتها لصالحها.

مشكلة العراق، اليوم، تكمن في أن سياسييه يسعون بكامل قوتهم إلى تبديد كل أمل شعبي في التغيير، إنْ من خلال تبنيهم لنهج الإصلاح، أو من خلال وقوفهم ضده بحجة عدم اتساقه مع القوانين المعمول بها. هل هناك من تناقض؟

المتاجرون بالإصلاح يسعون إلى استئجاره إلى أن ينتهي مفعوله. وهم في ذلك مثلهم مثل من جاهر في الوقوف ضده، إنما يراهنون على خفوت المطالبات الشعبية، بعد أن يجري احتواؤها باعتبارها جزءا من اللعبة الديمقراطية. ما لا يعرفه سياسيّو العراق أن ما يفكرون فيه من حلول لأوضاعهم الحرجة صار جزءا من الماضي، لا لأن الشعب صار على دراية لا تقبل اللبس بفسادهم، بل لأن ذلك الفساد كان قد سد كل الطرق. لم تعد الطرق سالكة.

صار الفقر والحرمان والجوع والأمية والفاقة والتشرد والبطالة حقائق يومية لا يمكن الإفلات منها في ظل عجز حكومي واضح عن سداد النفقات الآنية. ناهيك عن الخدمات واحتياجات البنية التحتية المهدمة التي ذهبت إلى النسيان من غير مبرر.

كان إخفاق السياسيين العراقيين في محاولة تأجيل الإعلان عن فشل عمليتهم السياسية محتما. ما من شيء بين أيديهم يمكن أن ينقذهم من مواجهة القدر الذي يفرون منه. ذلك القدر الذي إما أن ينهي مصالحهم في العراق ويدفعهم للهروب إلى أوطانهم البديلة وهم جاهزون لذلك منذ أن وطئت أقدامهم أرض العراق بمعية المحتل، أو يغرر بهم ويزيّن لهم البقاء لينالوا عقابهم العادل بعد أن يكون الشعب قد صحا من غيبوبته. فساد الطبقة الحاكمة في العراق هو ما سيسقطها.

لن تنفع كل محاولات تأجيل ذلك السقوط، ذلك لأن الشعب الذي كان طوال عشر سنوات مادة مختبرية لعمليات شتى، غلب عليها النفاق السياسي الذي كان غطاء لأكبر عملية سرقة في التاريخ المعاصر لم يعد يستسيغ أداء الدور الذي أذله وأهان كرامته وجعل منه موقع سخرية بين الأمم.

لم يعد أحد يقف في انتظار أن يعترف سياسيو العراق بفشلهم وفشل عمليتهم السياسية. إنْ اعترفوا أو لم يعترفوا فالأمر سواء. لقد آن لماكنة القتل واللصوصية والنهب والترويج الطائفي والخطف والمتاجرة بالدين أن تتوقف لينصت الشعب إلى صوته الذي يبشر بقيم المواطنة والعدالة والمساواة والإيمان بالقانون.

* نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.