.
.
.
.

فخ بيروت

حياة أبو فاضل

نشر في: آخر تحديث:

للمدينة قلب وفكر وحياة، لمطلق مدينة، فكيف ببيروت آلاف السنين، جارة صيدا وصور وجبيل. ولما أخفت الزبالة وجهها الأصيل الذي ما شوّهته الحروب القديمة ولا المذهبية الجديدة، ولا محاولات جعلها نموذجاً مشوهاً لفكر مادي زائف غاص في صناديق المال فابتلعته... وسقط التاجر الشماس في فخها لا في قلبها النابض حياة دافقة من أسواقها وأحيائها القديمة التي مزجت بين الباهظ العريق الثمين والأقل ثمناً مادياً انما لا يقل صدقاً ولا فرحاً حمله لمن دراهمه القليلة.

بيروت "أم" يا سيد نقولا الشماس، تضم كل ابنائها حتى الشيوعيين منهم الذين ما وفّرتهم كلماتك التي فاحت منها رائحة فكر ما فتح على تطور الفكر الشامل ولا على مساراته. فلا تخلّف في مطلق فكر نابض من قلب شعوب الأرض. ولبنان نابض بفكر الانسانية جمعاء، وبيروت العاصمة تسير على نبض فلسفة حياة تنساب بحرية لا يكبّلها الجهل. وشعور البعض بخوف من أن كل ما بُني على باطل ينهار وينزلق بين اصابع من يتاجر بالوطن وبعاصمته وبأهله، شعور محبط يشمل كل من يحترف التجارة، حتى أولئك المتاجرون بما على رفوف المذاهب الكثيرة. ولن نسجل في شرقنا المتخلف اي تطور انساني ما لم نتطرق الى تقويم مساراتنا الدينية الكثيرة التي ما طوّرنا مقارباتنا لها منذ مئات السنين حتى باتت مصدر ظلامنا وحروبنا. فلا المعابد الفخمة التي نبني او نرمم تستطيع ان تعطي لحظة سلام أو وعي على درب بناء أوطان جامعة، لا تفرّق، بصدق نابع من الفهم بين غني المادة والمال وفقيرها.

الأمل عاد يلوح مع خطوات شباب لبنان وشاباته المدنيين، المتمدنين، الرافضين موت الوطن بكل مساحاته، فقد عاد بعض المجتمع اللبناني المدني الى الوعي، ولن يتوقف عن حراك من اجل تغيير مسالم شامل حتى اساليب العمل واساليب التفكير للتوصل الى مجتمع مدني يتساوى داخله كل المواطنين، وما في اسواق "أبو رخوصة" كما في أسواق الأناقة الباهظة الساحرة، إلا علامات الحياة البسيطة، المتوازنة التي تهدي الفرح الحقيقي المتواضع الى كل أبناء لبنان.

مشكلتنا ليست فوق رفوف محلات أسواقنا التجارية، سواء فخمة أو متواضعة. مشكلتنا في فساد نفوس الحكام، وفساد نظام طائفي حمل منذ البدء بذور اهترائه وها هو يهترئ ولن ينفع معه دواء. شبابنا يعرفون كل هذا وفي حراكهم تصميم جدّي على تغيير آتٍ نستحقه جميعاً.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.