أقزام داعش..!

أحمد الجميعة
أحمد الجميعة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

الخطاب الداعشي التحريضي مملوء بالتناقضات، والأكاذيب، والملوثات الفكرية القذرة في البُنية والانفعالات والتشكيك والتأزيم والخروج عن الوعي، وهو خطاب تلقيني تافه رخيص انتهازي لا يمت للواقع بصلة، ولا للإنسانية بمدد، ولكنه مع ذلك ترك تأثيراً سلبياً على جيل يبحث عن مخرج من صدمته النفسية، وصراعه مع الآخر، ومن يقتدي بهم ويكون لهم تبعاً؛ وهي المكونات الثلاثة التي شكّلت السلوك الداعشي في القتل والتدمير وسط ذهول من حجم المأساة التي خلّفها على واقع المجتمعات الإنسانية.

السؤال الذي نطرحه في كل عملية استباقية أو إرهابية مع خلايا التنظيم، أو مغامرات صبيانية استعراضية -كما حصل في حادث الشملي بحائل-، هو: كيف تم تجنيد صغار السن للانضمام إلى داعش؟ وبأي وسيلة؟، وما علاقة التنشئة الاجتماعية بسلوك المغرر بهم؟، وإلى أي مصير وغاية هم ذاهبون؟، ثم أيضاً لماذا كل هذا التجرد من الإنسانية عندما تتحول الظاهرة الداعشية إلى استخفاف بكرامة الإنسان ودمه واستغاثته حتى في آخر لحظات عمره؟.

نعم أثبت رجال الأمن في كل مرة أنهم الدرع الحصين للوطن ومكتسباته، وأنهم الحامي بعد الله في الحفاظ على الأمن والاستقرار، ولكن هذا الجهد الأحادي لا يكفي للمواجهة، ويحتاج لجهود أخرى من الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام؛ لتحصين المجتمع من الأفكار الضالة والسلوكيات المضادة المستفزة، وهذه الجهود لن تتكامل مع الجهد الأمني إلاّ من خلال استراتيجية وطنية محددة الأهداف والرؤى، والوسائل والأساليب التي تناسب جيل اليوم، خاصة في مجال التقنية، إلى جانب المراقبة والإشراف والمحاسبة أثناء التنفيذ والمراجعة والتقييم بحسب تطورات الأحداث والمفاهيم المستحدثة؛ لأن ما يقلقنا أن تتحمّل وزارة الداخلية عبء المواجهة وبقية المؤسسات في معزل أو حضور خجول لا يعبّر عن مشاركة، وهمٍّ، ومسؤولية.

أعود للخطاب الداعشي الذي استحدث بُعداً جديداً في تكوينه -بعد أن لقّن أتباعه مفاهيم ضالة حول الجهاد والتكفير وتفجير المساجد ومواجهة رجال الأمن ممن يحولون بينهم وبين تحقيق أهدافهم- وذلك بضرب نواة المجتمع وهي الأسرة، ومحاولة تفكيك النسيج الاجتماعي المتماسك، من خلال قتل أقرب الناس إليهم، والشواهد على ذلك محدودة، ولكنها مخيفة؛ فالذي قتل أباه في خميس مشيط، وخاله في الرياض، وابن عمه في الشملي بحائل؛ هي في الواقع مؤشرات خطيرة لمحاولة إثارة النزاعات الأسرية والقبلية وربما المناطقية، وبالتالي إضعاف الجبهة الداخلية من سياسة الفعل وردة الفعل.

لقد تابعت بعمق وشمول ردود فعل شريحة واسعة من أبناء المجتمع على حادثة الشملي بحائل وأدركت -بدون مبالغة- أن الجميع يحمل هذا الهاجس، وهو بحد ذاته وعي شعبي متقدم من أن قتل الأب أو الأخ أو ابن العم لا يعني الانسياق إلى الفوضى، بل على العكس كان الجميع على ثقة برجال الأمن في ملاحقة المعتدين الداعشيين، وهو ما تحقق في أقل من ٤٨ ساعة من الحادثة، كذلك رغبتهم في المشاركة المسؤولة من خلال حثّ أبناء المجتمع في التبيلغ عن أي قريب أو زميل أو جار تظهر عليه سلوكيات العنف والتطرف أو الخروج عن النسق الجمعي المألوف، وذلك بالتواصل مع الجهات الأمنية؛ لحماية المجتمع من شروره، وحتى لا يكون ضحية لعنف داعشي جديد.

الدولة واعية ومدركة لخطر الجماعات الإرهابية ومن يقف خلفها من دول وتنظيمات، وهي قادرة على المواجهة والتصدي؛ بفضل رجال أكفاء، مدربين ومؤهلين للتعامل مع كل المواقف التي تتطلب التدخل السريع وما تتطلبه من الحسم بأقل الخسائر، ولكن الجميل أيضاً أن الشعب يشارك دولته هذا الوعي، وهذه الثقة برجال الأمن، وهو ما يعزز من رؤيتنا أن المجتمع محصّن، ولكنه أيضاً مهيأ أكثر للمشاركة الوطنية في مواجهة داعش والجماعات الإرهابية، بل الفكر الضال المتطرف ونبذه وكشف أستاره، وهو ما يتطلب سرعة إعلان استراتيجية المواجهة على أساس الفعل وليس ردة الفعل.. وهو ما ننتظره قريباً.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط