.
.
.
.

خراب التعليم العالي

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

لأنني عرفت الدكتور شيرزاد طالباني عن قرب على مدى سنوات، فانني أصدّق ما يقول.. عرفته أكاديمياً مرموقاً وسياسياً ووطنياً صادقاً وصريحاً.. كان ذلك في سنوات المنفى البريطاني قبل ان يعود الى بلدته كويسنجق ليؤسس فيها جامعة "جيهان".. وفي مرحلة التأسيس زرته وآخرون في مقر الجامعة ووجدته مثابراً بتواضع العالم وجديته على استكمال بناء الجامعة التي غدت هي الأخرى مرموقة في غضون سنوات.
الدكتور طالباني لا يكذب في ما يتعلق بالعلم وبالجامعة، وعندما يستقيل احتجاجاً على ما يصفها "محاولة" وزير التعليم العالي "إجباره على مخالفة القوانين والتعليمات الصادرة من الوزارة"، فلابدّ انه صادق في ما يقول وانه لم يفعل ذلك إلا بعد أن عجز عن المقاومة، فلم يرد أن يسوّد تاريخه الأكاديمي والسياسي وأن يخالف ما يمليه عليه ضميره المهني والوطني الحيّ.
في رسالة مفتوحة أعلن الدكتور طالباني انه قدّم استقالته وعاد "إلى برّ الأمان" في لندن، موضحاً أن "السبب الرئيس هو محاولة وزير التعليم العالي إجباري على استثناء الأغنياء والمسؤولين من القوانين والتعليمات الصادرة من الوزارة (أي التعليمات الصادرة بتوقيع الوزير نفسه)". وأورد بعض الأمثلة لما وصفها بتصرفات الوزير غير المتوافقة مع التعليمات الوزارية فضلاً عن قواعد الحياة الأكاديمية، منها ان جامعة جيهان قدمت منحة لطلبة مناطق كركوك، كفري، خانقين، زمار، شيخان ( وهي مناطق نكبت باحتلال داعش ونزوح سكانها) من 100 مقعد دراسي بدون مقابل، و 200 مقعد بنصف الأجور لأربع سنوات دراسية كاملة، لكن الوزير، كما يقول طالباني في رسالته،
اختار حوالى 60 طالباً فقط "تم اختيارهم بشكل مريب ولم يعلن عن المقاعد الممنوحة ولم يعلم بها لا الفقراء ولا المنكوبون المستحقون، وذهبت المقاعد الأخرى (حوالي 240 مقعداً) هباء ولا من محاسب ولا من رقيب لحرمان الفقراء من هذه الهبة".
كما يضرب د. طالباني مثلاً آخر هو انه بينما ينص القانون وتعليمات الوزارة على اعتبار الطالب الغشاش في الامتحان راسباً في تلك السنة، فانه عند التطبيق "اذا كان الطالب ابن فقير فالوزارة تقوم بارسال تهنئة الى الجامعة لتطبيق القانون، أما اذا كان الطالب ابن مسؤول أو ابن صاحب جاه أو مال فتقوم الدنيا ولا تقعد من أجل الإعفاء من تطبيق القانون، وحدثت أكثر من حالة من هذا النوع منذ استلم الوزير الجديد المنصب، لكنني رفضتها جميعاً".
المثل الثالث هو ان القانون وتعليمات الوزارة تنص على أن الطالب اذا غاب في اية مادة دراسية بنسبة 10% بدون سبب و 15% بعذر مشروع فيعتبر راسباً في تلك المادة في تلك السنة، "لكن عند التطبيق اذا كان الطالب ابن فقير فلا ضير في ذلك اما اذا كان ابن مسؤول أو ابن صاحب جاه أو مال فتقوم الدنيا ولا تقعد لأجل الاعفاء، والذي قصم ظهر البعير: انه من مجموع 80 طالباً شملهم هذا القانون في بعض المواد الدراسية طلب الوزير استثناء واحد من الطلبة (يقال في السليمانية ان هذه العائلة وابناءها متعودون على الاستثناء) والسماح له بالامتحان. وهذا الطالب تصل نسبة غياباته الى 43% ، أي اضعاف غيابات معظم المشمولين بالقرار أعلاه. طبعاً بدون تردد رفضت قرار الوزير المرسل برسالة رسمية من الوزارة وبتوقيع الوزير نفسه ومنعت الطالب من دخول الامتحان".
لأنني عرفت د. طالباني أمداً طويلا فانني أصدقه.. ومما يزيد من تصديقي له ان العديد من الأصدقاء الأكاديميين يحدثونني باستمرار عن ممارسات من هذا النوع، بل أكثر خرقاً للقوانين وللأعراف والقواعد الأكاديمية، تجري بانتظام حتى في جامعة بغداد.
معروف انه اذا خرب التعليم خرب كل شيء، وتعليمنا، بكل مراحله في خراب عميم.

* نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.