.
.
.
.

عن أبطال «الدولة المفلسة» في العراق

مشرق عباس

نشر في: آخر تحديث:

لم تشهر الدولة العراقية إفلاسها، حتى اليوم. لا يزال رئيس الحكومة العراقية الحائر بين الحلفاء والأعداء والمتربصين بالحكم يرى أنها لم تفلس بعد، على رغم أن خزائنها تصفر فيها الريح، والوقائع تشير إلى أن الحكومة ستعجز قريباً وفي ضوء استمرار انهيار أسعار النفط عن سداد التزاماتها تجاه موظفيها.

لكن، كحال كل أزمة عراقية قابلة للاستثمار سياسياً، فالمعلومات عن انهيار الاقتصاد العراقي التي تتسرب من هنا وهناك، هدفها في الغالب إثبات أن حيدر العبادي فشل في مهمة إنقاذ السفينة التي استلم دفتها وهي غارقة فعلاً، وأن من الضروري الاستعانة بأصدقاء الجنرال قاسم سليماني الحميمين من أبطال الإنقاذ الذين قادوا الدولة للسنوات الماضية، لحل الأزمة بالانقلاب على العبادي «الضعيف، والمهادن، والمنبطح للاستكبار العالمي».

تتحدث الأرقام العراقية عن أن مجموع الموازنات التي رصدت في العراق بين 2003 و2015 هو 876 بليون دولار، كان حصة حكومتي المالكي (2006 - 2014) منها 713 بليوناً، ومع هذا فالعراق يواجه الإفلاس الفعلي على خلفية استنزاف نسب هائلة من تلك الموازنات في موارد فاسدة وحسابات غير مكشوفة وعمليات نهب منتظمة وغير مفهومة، تحاول الطبقة السياسية تحت شعار التضامن إحالتها على بعض الفاسدين الصغار لإثبات تبنيها الإصلاح.

الواقع أن أبطال الإنقاذ أنفسهم عليهم الإجابة عن أسئلة محيرة فعلاً، فالمالكي المتمسك بمنصب نائب رئيس الجمهورية، ألقى البلاد في قاع الأزمة وبدا اليوم كأنه خارجها، وحتى التحقيقات التي طاولته بالاتهام عن سقوط الموصل، والتفاصيل التي كشفت عن حجم الفساد وسوء الإدارة الذي انتهى إلى احتلال «داعش» نحو نصف العراق، تُلملم قضائياً.

التضامن السياسي، وربما عامل آخر أخطر، يمنع الكشف عن حسابات الصرف الحقيقية للدولة للسنوات الماضية، ربما لأنها في عرف النافذين لم تكن أعمال فساد وإنما «جهاد». فليس ثمة مبرر اقتصادي واضح لإخفاء الحسابات الختامية للحكومة، كما أن من اللامعقول أن تختلف مؤسستان رسميتان هما وزارة المال ودائرة الرقابة المالية إلا في بلد كالعراق في مطابقة الحسابات الختامية للدولة بينهما.

لم تكن مصادفة أبداً، أن تهمل الطبقة السياسية مجتمعة الحديث عن موازنات وحسابات ختامية دقيقة ومحددة وتفصيلية، في معرض الانشغال بإصلاح لن يحدث في دولة تعتمد كلياً على النفط في البقاء والفناء.

بالطبع لن تجرؤ الإصلاحات على التعاطي مع طريقة معالجة «أبطال الإنقاذ» لقضية العقود مع الشركات النفطية. فسياسي كحسين الشهرستاني عرض نفسه عراباً لـ «عقود الخدمة» وروج لها باعتبارها «فتحاً اقتصادياً»، نسي أن يخبر الجمهور الانتخابي بالتكاليف الباهظة التي تحمّلها العراق حتى وصلت ديونه للشركات إلى بلايين الدولارات، مثلما نسي أن يخبرهم في حال كانت استراتيجيات «عقود الخدمة» قد تدبرت تراجع أسعار النفط إلى أقل من 30 دولاراً.

لن يتمكن العبادي من مراجعة فترة الحكم «الرشيد» للحكومة السابقة مهما وعد بذلك، فهي تلقي الضوء على حقائق يجرى الحديث عنها في الكواليس، كأن يتم الربط بديهياً بين هدر المال العراقي وإطلاق مشروع «الجهاد الشيعي» العابر الحدود إلى سورية ولبنان، على أيدي مجموعات مسلحة لم يُعرف كيف حصلت على الأموال اللازمة لإدامة القتال لإنقاذ نظام بشار الأسد لسنوات، فيما كانت طهران تمر بضائقة مالية كبيرة بسبب العقوبات، وتحتاج إلى المال لإنقاذ استراتيجياتها الإقليمية.

«الأهداف السامية» لإهدار مئات البلايين متعددة، ولهذا تحديداً اقترن تعريف الحزب السياسي في العراق بعاملين أساسيين: شركات تستولي على عقود الدولة بحماية نظام المحاصصة المالية، وميليشيا تحمي مصالح الحزب وتحقق توازن الرعب المطلوب مع الآخرين.

ليس بمقدور أي عراقي مراجعة ملف الكهرباء مثلاً لمعرفة خلفية الشركات التي حصلت على عقود هذه الوزارة والميليشيا التي حمتها لسنوات، وليس بمقدوره، بل ليس من حقه حتى الحديث عن أصول «الشركات – الميليشيات» التي اشترت بلايين الدولارات من سوق المصرف المركزي، ولا تلك التي استولت على عقود الأدوية أو البطاقة التموينية أو الاستثمارات.

وبالتأكيد، ليس من حق أحد التساؤل عن الأسرار المعلنة خلف صعود رجال وأبطال هذه الدولة إلى مصاف أصحاب رؤوس الأموال بعد عام أو عامين من قدومهم إلى المناصب، بل إن طرح الحكومة فرضية تطبيق مراجعات «من أين لك هذا؟» كان مثار تندّر وتهكم من الجمهور، لأن تطبيق هذا الشعار سيعني إسقاط العملية السياسية برمتها.

عندما ارتفع شعار الإصلاح على أيدي المتظاهرين المدنيين أولاً، ومن ثم تلقفته كل الألسن السياسية التي لطالما تذوقت أموال «النهب الحلال»، ولاكت شعارات الدفاع عن الطائفة والحروب المقدسة، كان ثمة تساؤل مرير عن «المحاصصة» ومطالب ملحة بضرورة إنهائها.

المضحك والمبكي أن يتصدى «أبطال الدولة المفلسة» للحديث عن تحميل «المحاصصة» مسؤولية كل هذا الخراب، والفشل، والانهيار الأخلاقي قبل المالي، مع أن من دلّس شعار إنهاء المحاصصة السياسية، أراد أن يرى حزبه يستولي على ما تبقى من الدولة، ويخلي مجموعة الجيوب التي تنتمي إلى أحزاب أخرى، أو طوائف أخرى، وليربط المصائر بإرادته.

ومن رفع شعار إنهاء تحاصص الأحزاب، سارع إلى تأسيس نظام محاصصة داخل منظومة «الحشد الشعبي» التي أراد لها المرجع الأعلى علي السيستاني أن تكون داعماً لقوى الجيش وجزءاً من سياق الدولة لدرء خطر «داعش»، لكنها أصبحت شكلاً للدولة التي فشلت، فأصبح لكل حزب سياسي عنوان في «الحشد الشعبي»، ومن ثم صار لكل ميليشيا لم تشكل حزباً منبر سياسي ومطالب بحصة في النظام المفلس نفسه، كما أنها تهدد بالانقلاب في حال لم تُمنح الأموال والأسلحة اللازمة لبقائها في صدارة المشهد.

تعاني الدولة التي أفلسها أبطال اليوم، من مشكلة في الكشف عن جروحها، عن الصراخ بحقيقة ألمها، عن توجيه الاتهام لمن يستحق الاتهام، ولهذا تنشغل في تخفيض مرتبات مسؤولين لا تمثل أكثر من 1 في المئة من مردودهم الشهري الفعلي، لكنها ستستمر بالتأكيد في ترديد شعاراتها الأثيرة عن روسيا الشيعية، وأميركا السنّية، وعن الدعاية الحاقدة على العراق التي تدفع مئات الآلاف من شبابه إلى تحدي الموت وصولاً بأنفسهم وعائلاتهم إلى أوطان جديدة لم تعلن إفلاسها!

نقلاً عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.