.
.
.
.

الانتخابات إجراءات وسلوك

شوقي علام

نشر في: آخر تحديث:

عندما يريد الإنسان الاختيار بين بدائل متعددة، فإنه يتنازعه تقييم المصالح المرجوة من هذه البدائل، وترجيح بعضها على البعض الآخر بمقدمات تؤدى إلى هذا الترجيح، وهذا الاختيار يمر عبر عملية ذهنية عميقة، يتم من خلالها تقييم الموقف، وهى فى حد ذاتها ظاهرة صحية، تدل على تطور حضارى فى الشخصية، كما تدل على عمق التطور الحضارى للمجتمع بأسره.

وقد بذل فقهاء المسلمين جهوداً كبيرة فى إيجاد هذه الموازنة الدقيقة- بين المصالح المختلفة- التى تعين الإنسان على كيفية الاختيار، وهذا راجع إلى أن التشريع الإسلامى إنما جاء لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، وحين عرض العلامة الإمام العز بن عبدالسلام الشافعى، رحمه الله تعالى، لتقعيد وتأصيل الموازنة بين المصالح، وأحسب أنه أول من تكلم فى هذه المسألة بما يبين جوانبها المختلفة وتصوراتها الكاملة، فهو عندما تعرض للمصلحة وعلاقتها بالمفسدة لم ير وجود مصلحة محضة أو مفسدة محضة، بل ذهب إلى أن كل مصلحة تكتنفها مفسدة من وجه ما، وأن كل مفسدة تكتنفها مصلحة من وجه ما، والتشريع إنما يبنى حكمه على الغالب فى حال المصلحة مع المفسدة فيطلب تحصيل المصلحة، وفى حال تعادلهما أو غلبة المفسدة فإن التشريع يمنع منها، وقد استنتج من ذلك هو وغيره من الفقهاء أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذا كله يحتاج إلى عمقٍ فى الفكر وحِدَّةٍ فى الذهن.

نقول هذا الكلام ونحن مقبلون على استحقاق دستورى أخير فى خارطة الطريق، وهو الانتخابات البرلمانية، ومهمة البرلمان أو المجلس النيابى يتمحور حول مهمتين أساسيتين: التشريع وسن القوانين من ناحية، والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية من ناحية أخرى، وهما من الأهمية بمكان، بل إن أداء عضو البرلمان لدوره المنوط به سيؤدى إلى رقى المجتمع كله، وليس فقط السلطة التشريعية، ومن ثم تتعاظم المسؤولية الحقيقية للناخبين فى اختيار أعضاء البرلمان المقبل من بين المرشحين، والمنوط بهم هذه المهمة الكبيرة والعظيمة فى الوقت نفسه.

وتبقى العملية الانتخابية برمتها مكونة من شقين: شق إجرائى، وآخر سلوكى لكل من الناخب والمرشح، ولا يتطلب الشق الإجرائى مزيد عناء فى البحث والدرس، فقد تكفل القانون بضرورة توافر جملة من الشروط والإجراءات فى المرشح والناخب، ومنها أنه يتطلب سنًّا معينة فى كل منهما، كما يتطلب قدراً معيناً يمثل الحد الأدنى من التعليم وهو الإلمام بالقراءة والكتابة فيمن يتقدم للترشح لعضوية مجلس النواب، كما يلزم تجاوزه الكشف الطبى، فضلًا عن عدم تجاوزه الحد الأعلى للإنفاق على الدعاية الانتخابية، سواء ما تعلق بالفرد أو الحزب.

والذى يراد تقريره وإيجاده على نحو يحقق المقصود من العملية الانتخابية والوصول إلى الهدف المنشود بما يفصح عن الريادة المصرية الحقيقية والتقدم لهذا المجتمع، هو السلوك الانتخابى لكل من المرشح والناخب على حد سواء، وهو يمثل الرقى الحضارى للفرد والمجتمع وتقدير المسؤولية الملقاة على كاهل كل منهما، وهى مسؤولية أخلاقية فى المقام الأول، يحركها الضمير الإنسانى لدى الفرد، والذى تكوَّن من مجموع القيم التى غرست فيه منذ نعومة أظفاره.

وهذه القيم بدورها هى نتاج الدين والتشريع بكل ما يحويه من تكاليف شرعية فى مجالاته العديدة من الإيمان والعبادة والأخلاق والمعاملات وغير ذلك، فحين نقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]، فهذا القول الكريم يلقى بمسؤولية كبيرة على الناس المخاطبين بأن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بين الناس بالعدل، وهذا لا يكون إلا ممن توفرت فيه العناصر الشخصية ومعايير الكفاءة التى تؤدى إلى حسن القيام بالمهمة المنوطة بأصحاب المسؤوليات، خاصة الكبرى منها، والتى تكون ركناً أصيلاً فى مقوِّمات الدولة.

ولا ريب أن هذا الأمر قد اعتنى به الفقهاء فى العصور المختلفة، بما يفصح عن أهميته فى الوظائف العامة فى الدولة، وأنه كلما تم التدقيق فيمن يتولى هذه الوظائف العامة تحقق العمران وسعد الإنسان وازدهر المجتمع.

لكن الأمر الذى ينبغى الالتفات إليه هنا هو ذلك الجانب الخفى الذى لا يمكن الاطلاع عليه، والمتمثل فى قناعة المرشح نفسه بقدرته على القيام بهذا العمل الجليل، وهو «أمين على نفسه» فى هذه الحال، وتلك الأمانة الداخلية الخفية هى أهم مقوِّمات نجاح مهمته، وأصل عظيم فى هذا الشأن، حيث أرشد إليه النبى، صلى الله عليه وسلم، بقوله لأبى ذر، رضى الله عنه، عندما سأله أن يوليه بعض الوظائف، فضرب صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة على منكبيه، ثم قال: «يا أباذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزى وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذى عليه فيها» (صحيح مسلم/ 1825).

وإذا كنا فى حاجة دائماً إلى مثل هذه الأخلاقيات فى كل زمان ومكان، وفى كل المواقع، فنحن أحوج إليها الآن فى هذه الأوقات الفارقة فى تاريخ أمتنا المصرية العريقة، من أجل مصلحة الدولة وبالتبعية مصلحة الفرد.
نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.