بسيون تايمز

أحمد المسلماني
أحمد المسلماني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

كنتُ تلميذاً فى مدرسة كفر الدوار الابتدائية فى مركز بسيون محافظة الغربية.. وفكرتُ مع عدد من زملائى فى عمل مجلة حائط.. وجلسنا نفكر ونفكر.

اقترح بعضنا أسماءً تقليدية مثل: مجلة الوعى.. مجلة النجاح.. ومجلة الأخلاق.. وما إلى ذلك من عناوين لا ابتكار فيها.

(1)

كنّا مجموعة من الزملاء الأصدقاء.. فننتهى من اليوم الدراسى لنأكل فى منازل بعضنا البعض.. ونلعب فى الشارع الذى يسكن فيه صاحب «الكرة» الذى يُعدّ شخصاً مهماً بيننا.. ونتشاجر فى المسجد على إمامة الصلاة.. والوصول إلى الصف الأول.

(2)

مضت السُّنون.. وأصبح سعيد الباجورى أستاذاً فى جامعة عين شمس، وأصبح حسنين شرف الدين مهندساً فى السعودية.. كما أصبح محسن النحراوى محامياً لامعاً، وأصبح سعيد النحراوى وعلاء غنيم مدرسين فى المدرسة التى تعلمنا فيها.. وأما عصام النقيدى الذى كان يحلم بأن يكون فناناً، فقد عمل فى المدينة المنورة.. ثم بدأ «أعمال حرة» ناجحة فى مصر.

أتواصل دوماً مع «أصدقاء العمر»: ربيع الشريف ومحمد صلاح الشريف وأحمد سلامة وغيرهم.. وأشعر مثل غيرى بحنينٍ لا نهاية له لتلك الفترة الرائعة من العمر.

(3)

التقيتُ أحدهم مؤخراً.. ثم فاجأنى بالقول: هل تتذكر مجلة «بسيون تايمز»؟.. ضحكت من الأعماق.. ثم قلت: طبعاً، هل نسيت أننى كنتُ رئيس التحرير؟!

(4)

كانت «مجلة بسيون تايمز» هى مجلة حائط «نصف فرْخ».. وكان كبار كتابها هم كبار التلاميذ، وكان الصحفيون هم زملاءنا الكسالى الذين ينقلون من صحيفة الأهرام أو يكتب لهم أقاربهم «موضوع التعبير».

كانت فكرة أن نسمى مجلة الحائط باسم جذاب، وليس اسماً تقليدياً مثل «مجلة النجاح» أو «مجلة المدرسة».. فكرة مثيرة.. ذلك أن «كبار التلاميذ» كانوا يرون أن «بسيون» مثل «نيويورك»، وإذا كانت مدينة نيويورك تمتاز بصحيفة «نيويورك تايمز».. بمثل ما أن مدينة واشنطن العاصمة تمتاز بصحيفة «واشنطن بوست».. فإنه يمكن لمدينة «بسيون» التى تقع على بُعد ثمانين ميلاً شمال غرب القاهرة «فى النورث ويست».. يمكنها أن تمتاز هى الأخرى بإصدار مجلة حائطها.. «بسيون تايمز».

لم نكن سعداء تماماً.. ذلك أن «فرخ الورق» تم تقسيمه إلى نصفيْن.. تمّت كتابة نصائح وإرشادات فى النصف الأول.. ولم يتم منحنا إلا النصف الثانى.. وهو ما جعل أسرة التحرير لا تتمكن من عرض كافة إبداعاتها فى مجلة حائط نصف فرخ!

(5)

يبدو الأمر -وهو كذلك- عملاً ساخراً، ونكتة لطيفة.. وفكرة خلاقة لتلاميذ فى الريف المصرى اختاروا أن ينالوا من كبرياء مانهاتن ومكانة نيويورك.

لكن من يتابع ما تنشره صحيفة «نيويورك تايمز» عن مصر منذ ثورة الثلاثين من يونيو.. سوف يُذهل مما يرى ويقرأ.

(6)

نشرت «نيويورك تايمز» تقريراً مروِّعاً عن الأنفاق فى سيناء.. استضافتْ فيه مجموعة من المجرمين «المهربين».. وقالت إنهم يعيشون حياةً سيئة.. وإنهم كانوا يكسبون كثيراً من الأنفاق والعمل فى التهريب، لكن السلطات المصرية «الشريرة».. قد أغلقت وأغرقت الأنفاق.. فأصيب المهربون بالبطالة!

لم تتحدثْ «نيويورك تايمز» عن إسرائيل التى تحاصر الفلسطينيين فى غزة، دون ميناء أو مطار.

لم تتحدث عن «إرهاب الدولة».. عن قتل الأبرياء، وقصف العائلات، ومنع الصلاة.

لم تتحدث عن تهويد القدس، وخنق غزة، وإرباك الضفة.. وتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم.

لم تتحدث عن سرقة إسرائيل للنفط فى الجولان والمياه فى فلسطين.. ولا عن سرقة الأمل من عيون الأطفال.

(7)

إن صحيفة «نيويورك تايمز» تبقى عملاقة ورائدة فيما يخص معظم العالم.. ولكنها حين تتحدث عن مصر.. ومعركة «الحداثة» و«الإرهاب» فى بلادنا، تصبح «نيويورك تايمز» أشبه بالطبعة الدولية من «بسيون تايمز»!

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر

*نقلا عن "الوطن" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.