.
.
.
.

الانتفاضة الفلسطينية.. والغيبوبة العربية

ناجح ابراهيم

نشر في: آخر تحديث:

■ فى قرية دوما التابعة لنابلس الفلسطينية تسلل بعض المستوطنين الإسرائيليين ليلاً وألقوا قنابل المولوتوف على بيت سعد الدوابشة وهم نيام فاشتعل المنزل سريعاً واحترق معه الطفل «على الدوابشة» ومات على الفور.. أما شقيقه أحمد الدوابشة فقد أصيب بحروق بالغة.. زاد المأساة عمقاً وفاة والد الطفل ثم والدته متأثرين بحروقهما الخطيرة.

■أعلن «الرئيس الفلسطينى أبو مازن» الحداد ثلاثة أيام على وفاة الطفل «على الدوابشة».. لم يعتذر نتنياهو واكتفى بقوله: «إن أجهزة الأمن تبذل جهودها للقبض على الجناة» الذين لم يعاقبوا حتى الآن.. وكيف يعاقبون وهم على نهجه سائرون.

■ قبل حرق منزل الدوابشة بعام تقريباً كان هناك أربعة أطفال يلعبون على شاطئ غزة وإذا بالطائرات الإسرائيلية تغير على الشاطئ فتقتلهم على الفور وهم: زكريا بكر 10 سنوات وبالقرب منه تتناثر أشلاء عاهد (10 سنوات) وينفصل رأس إسماعيل (9 سنوات) عن جسده ويسيل دم محمد (9 أعوام).. وجميعهم تحولوا إلى أشلاء متناثرة.

■ وقد أجرى الجيش الإسرائيلى تحقيقاً برر قتلهم بالظن أنهم إرهابيون.. رغم أن أعمارهم لا تخطئها عين فيها بصر أو بصيرة ولكنه تكرار لكل المذابح الإسرائيلية السابقة بدءًا من دير ياسين وقانا وصبرا وشاتيلا وذبح الأسرى المصريين بعد نكسة 5 يونيو 1967.

■ مئات المذابح للعرب والفلسطينيين تمثل تاريخاً أسود لدولة تصر على احتلال دولة أخرى بعد أن انتهى الاحتلال من العالم.. وهى الدولة الدينية الوحيدة فى العالم التى تصر على أنها لدين واحد ولجنسية واحدة هى «اليهودية» دون غيرها من الأجناس والأديان.. والعرب والمسلمون ليست لهم مشكلة مع اليهودية ولا اليهود ولكن مشكلتهم مع الصهيونية التى تصر على إذلال الشعب الفلسطينى واحتلال أرضه وعدم قبول خيار الدولتين.. ولا حتى خيار الدولة ذات القوميتين ولا عودة الفلسطينيين لبلادهم مستغلة ضعف العرب وهوانهم.

■ وفى 15 سبتمبر الماضى حطمت القوات الإسرائيلية بوابات الجامع القبلى التاريخية وهى تقتحم المسجد الأقصى من باب المغاربة وتعيث فيه فساداً وتحرق أرضيته بالقنابل الحارقة وتكسر نوافذه التاريخية وتسحل المدافعين عنه ويقوم جندى إسرائيلى بخنق الوزير الفلسطينى «زياد أبو عين» ويسقطه أرضاً.

■ وكل ذلك من أجل تمكين المستوطنين من دخول الأقصى عنوة.. وكأن فلسطين كلها لم تكفهم فأرادوا استلاب أهم مقدساتنا أولى القبلتين وثالث الحرمين.

■ لقد كانت كل هذه الأحداث البداية للانتفاضة الفلسطينية الثالثة.. وهى تشبه إلى حد كبير بداية الانتفاضة الأولى عام 1987.

■ فقد انطلقت شرارتها الأولى بعد أن دهس سائق شاحنة إسرائيلى مجموعة من العمال الفلسطينيين فقتل أربعة منهم.. وقد استشهد فى هذه الانتفاضة أكثر من 1300 فلسطينى وقتل فيها 160 إسرائيلياً وقد انتهت الانتفاضة الأولى لتوقيع اتفاق «أوسلو للسلام».

■ أما الانتفاضة الثانية فهى تشبه هذه الانتفاضة.. فقد بدأت سنة 2000 وكان سبب اندلاعها هو دخول شارون «القاتل المعروف للأسرى المصريين سنة 1967» إلى باحة المسجد الأقصى ومعه حرسه الخاص، مما دفع جموع المصلين إلى التصدى له والتجمهر واندلاع الانتفاضة.. وقد قدم الشعب الفلسطينى وقتها 600 شهيد من بينهم أكثر من 100 طفل فلسطينى بكى العالم بعضهم وتأثر بقصصهم وعاش أحداث قتلهم لحظة بلحظة، وعلى رأسهم الطفلة الصغيرة التى لم تجاوز العام «إيمان حجو» والطفل «محمد الدرة» الذى تفاعلت كل الشعوب مع قصة قتله وهو فى حضن أبيه الذى حاول مراراً أن يثنى الجنود الإسرائيليين عن قتله دون جدوى وهو يشير أنهما لا علاقة لهما بالانتفاضة.

■ وقد كان «محمد الدرة» مؤثراً جداً فى الضمير العالمى كما أثر فيه الطفل السورى «إيلان الكردى».

■ كما قدم الشعب الفلسطينى فى هذه الانتفاضة 15 ألف جريح.. وهى أول انتفاضة يشارك فيها فلسطينيو 48 الحاملون للجنسية الإسرائيلية وهؤلاء قدموا 14 شهيداً فى سابقة لم تحدث منذ عام 1948.. وقد تعاطفت كل الشعوب العربية وغير العربية مع الانتفاضة الأولى والثانية.. وتفاعل معها الشعراء والفنانون والأحزاب والنقابات ورجال الأعمال وأهل الخير والساسة الرسميون وغيرهم..

■ ولكن ها هى الانتفاضة الثالثة لهذا الشعب الأبى تبدأ فلا تسمع بمظاهرة فى أى بلد عربى ولا مشاركة ولا تبرع ولا ندوة ولا مقال ولا قصيدة ولا اهتمام إعلامى أو فنى ولا أى شىء.. وكأن العرب جميعاً رسميين وشعبيين وساسة وأحزابا وهيئات مدنية قد نفضوا أيديهم من القضية الفلسطينية.. وباعوا أطهر المقدسات بثمن بخس دراهم معدودة أو كراسى زائلة.. أو ضعف مخزٍ أو وهن مخجل.

■ فهل يترك الشعب الفلسطينى وحده فى كل مرة للآلة العسكرية الإسرائيلية الباطشة تفتك به دون حراك.. لقد كان ياسر عرفات فى منتهى البطولة والرجولة والفداء حينما وقف بكل ما أوتى من قوة داعماً للانتفاضة الثانية.. وقد دفع حياته ثمناً لذلك ولإصراره على حق العودة فلقى الله وشعبه راض عنه وهو راض عن شعبه.

■ رحم الله كل من يدافع عن وطنه ويذود عن مقدساته وكل من أحيا من قبل هذه القضية فى قلوب الناس.

*نقلا عن صحيفة "المصري اليوم".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.