.
.
.
.

الهجرة «سنة كونية إلهية»

جمال قطب

نشر في: آخر تحديث:

لا يظنن أحد أن مشروع الهجرة ــ أى هجرة ــ هو نشاط بشرى اجتماعى وسياسى، بل حقيقة الهجرة أنها سنة إلهية شائعة فى جميع الأمم، سواء أمم المسخرات أو أمم الناس، فكل العالمين (جميع الكائنات) مفطورة على عدم التقوقع وعدم الاستقرار.

وكما نرى جميع الكائنات حولنا لا تؤدى وظائفها المنوطة بها إلا من خلال الهجرة والحركة وعدم الركون إلى موقع وعدم التمسك بمساحة، وقبل أن يثبت العلم هذه الحقيقة أكدها وأثبتها القرآن حيث يقول: ((وَالشَمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* وَالْقَمَرَ قَدَرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ* لَا الشَمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَيْلُ سَابِقُ النَهَارِ ۚ وَكُلٌ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)). هكذا فالشمس والقمر يفيضان على الكون كله بالضوء والحرارة والدفء والنمو.. إلخ . ومع هذه الأهمية العظيمة لا استقرار لهما ولا سكون، بل الهجرة الدائمة.

والإنسان نفسه لا مستقر له من مبدئه إلى منتهاه ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ))، فمن سلالة من ماء مهين فى صلب أبيه إلى نطفة ثم إلى علقة فى بطن أمه ثم إلى مضغة مخلقة وغير مخلقة فتستقر قليلا فى رحم الأم ثم إلى خارج الرحم ثم إلى حصن أمه رضيعا وحضينا، ثم متفردا تحت رقابة والديه طفلا وصبيا ثم بشأنه شابا ورجلا ثم مستقلا عن الأسرة مع زوجة جديدة ثم إلخ.

وحينما يفكر الإنسان فى الظروف المحيطة به يجد نفسه مطالبا باتخاذ قرار يتيح له «معيشة أفضل»، وبقدر ضغوط الظروف من ناحية، وقدر طاقة الإنسان على التحمل يكون قراره بين الإقامة الغافلة أو الإقامة الحذرة أو الإقامة القلقة، أو يكون قراره إما ببداية التخطيط والتدبير لموقع آخر كما قال ((إِنِى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِى سَيَهْدِينِ))، أو يكون قراره بسرعة الإعداد وسرعة الانتقال كما قال ((فَفِرُوا إِلَى اللَهِ))، أو يكون قراره بفورية المغادرة كما قال ((إِنِى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِي)).

وانظر إلى الماء الذى يملأ البحار والأنهار من أين نبدأ؟ وكم من الأميال نقطعها كى يصل إلى مستقر سواء من الأنعام أو النبات أو البشر، قال تعالى: ((وَنَبِئْهُمْ أَنَ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ)).

ونحن نرى النحل تجوب الآفاق ثم تأوى لتصنع الخير لغيرها ثم تنصرف، والأسماك والكائنات البحرية تجوب مياه العالم وتضع بيضها فى بلاد غير بلادها ثم تعود ليأكلها سكان بلاد أخرى.

وإذا تأملت كل ما حولك، تجد «الهجرة» ركيزة رئيسة فى حياة الكائنات، بل إن الهجرة دليل حياة، فإذا سكن الكائن الحى فذلك الموت أو ما يشبهه.

وأنا أسأل نفسى سؤالا حضاريا مهما: ما الذى دفع الناس دفعا لكارثة تملك السكن؟ نعم كارثة لم يصب بها إلا فقراء العقول فى بلادنا وربما فى أمثالها من بعض البلاد، نعم كارثة لأن تكلفة تملك السكن ليست هينة، تقصم ظهر الإنسان وتجعله معدوما أو فقيرا أو مدينا، وليس ذلك هو الكارثة، إنما يترتب على تملك السكن كوارث أخرى، فالذى يتملك سكنا أصبح ملتزما بالاستقرار فيه مما يدفعه للاستسلام لأى تغيرات تطرأ على عمله فيقبل التقوقع وسوء المعاملة، ولا يجد متنفسا من تلك الآلام إلا بالشكاوى الكيدية أو الرضوخ للواقع.. فها هو المتملك قد أصبح أسيرا لسكن، وليس ذلك فحسب.

فهؤلاء الملاك فوق ما أصابهم من فقر وأسر تراهم فى مؤخرة الشعوب من نواح كثيرة، فلا مدخرات تمكنهم من السياحة مثل الأوروبيين الذين لا يعرفون تملك السكن، كما ترى هؤلاء الملاك ــ أعانهم الله ــ يفقدون جزءا كبيرا من عمرهم فى وسائل المواصلات حيث استقروا فى مكان وتباعدت أماكن عملهم..

فمن هذا الطاغية الجهول الذى أرهق الإنسان ودفعه دفعا لتملك السكن فأصبح مدينا وأسيرا ومحروما من متع الحياة؟! أليست الهجرة والحركة والتغيير سنة إلهية تحقق الخير للإنسان ؟!

*نقلا عن صحيفة "الشروق" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.